سليمة مراد... أبرز كلاسيكيات الطرب العراقي القديم

مركز الأخبارـ كانت تعتلي المسرح بإطلالة ساحرة وانحناءة خفيفة وابتسامة ملفتة، سليمة مراد الملقبة بـ "الباشا" وصاحبة أغنية "أيها الساقي إليك المشتكى"، تُعد من أبرز كلاسيكيات الطرب العراقي الأصيل التي مازالت أغانيها تُعاد تقديمها وتوزيعها.
احتلت الفنانة العراقية ذات الأصول اليهودية سليمة مراد مكانة مرموقة في الوسط الفني، وتعد إحدى أعلام الحركة الفنية في الطرب الكلاسيكي القديم في العراق منذ أواسط العقد الثاني من القرن العشرين.
وتعد تجربتها النسوية التي خاضتها في الأداء المقامي الغنائي بشكل عام، ما هي إلا محاولة الحصول على الحقوق المشروعة والمنسية، في وقت قُيدت فيه الكلمات والتعابير والمبادرات ومنعت المرأة من أبسط حقوقها. فقد كانت سليمة مراد هي المرأة الوحيدة التي حاولت التعبير عن ما لا يمكن التعبير عنه، بأدائها الغنائي في حقبة التحول للمقامات والأغاني الكلاسيكية القديمة. 
وفي مقاماتها القليلة وأغانيها الكثيرة حاولت أن تصف طبيعة الحياة التي عاشتها والتي وصلت فيها إلى القمة في نسبة الحضور، فقد تعاظم نفوذها الفني في المجتمع لفترة طويلة من حياتها استمر بنحو أربعة عقود منذ بدايتها الفنية.  
 
سيدة الغناء العراقي 
نشأت سليمة مراد وترعرعت في كنف عائلتها في محلة طاطران في بغداد، وتشير بعض المصادر أنها ولدت في شهر شباط/فبراير عام 1901، بينما تذكر مصادر أخرى أنها ولدت في شهر شباط/فبراير عام 1905. وكونها تحمل الهوية اليهودية لم تغادر العراق أيام حملة التهجير القسري "تهجير اليهود إلى إسرائيل"، التي شنتها الحكومة العراقية بحقّ كل مواطن عراقي يهودي وعمدت إلى إسقاط الجنسية العراقية عن كل واحد منهم عام 1933، بل دخلت الوسط الفني في بداية صباها، واعتبرت نفسها مواطنة عراقية من الدرجة الأولى.
وبعد أن نمت موهبتها في الغناء وتعرفت على الجوقة الموسيقية في العزف والمعروفة بـ "الجالغي البغدادي" التي كانت ترافق قارئ المقام المؤلفة من عازفي آلة السنطور والرقّ والطبلة والجوزة والقانون، ركزت على المقام العراقي وأتقنت فنون الغناء العراقي الجنوبي "الرافدينية" والغناء العربي. عاصرت مشاهير معروفين أمثال الملحنين صالح وداود الكويتي، وقد وصفها الشاعر والكاتب عبد الرزاق الربيعي قائلاً "إذا كانت أم كلثوم كوكبة الشرق وفيروز جارة القمر، فسليمة مراد هي سيدة الغناء العراقي بلا منازع وهي كوكب بغداد الساطع".
وفي عام 1936 كانت من أوائل المطربات اللواتي دخلن الإذاعة، وأجرت العديد من الحفلات الغنائية والسهرات الطربية، كما خصصت مكاناً في منزلها لإقامة المنتديات الأدبية والفكرية، التقى فيه كبار الشخصيات من الأدباء والشعراء ورجال السياسة. 
تعد سليمة مراد أول فنانة عراقية تسافر إلى الدول الأوربية، حيث التقت بنخبة من الملحنين الموسيقيين المشهورين وتعرفت من خلالهم على فنون الغناء وأشكاله، كما ويعود لها الفضل في تنويط المواد الموسيغائية العراقية ونقل البستات القديمة إلى النوتة الموسيقية الحديثة.
 
بداية فنية حافلة
بذلت سليمة مراد جهداً كبيراً وواضحاً خلال مسيرتها الفنية في مجال الموسيقى والغناء التي بدأت في الثلاثينيات من عمرها، في وقت كانت فيه الموسيقى العراقية مقتصرة على الأغاني التراثية القديمة، وكانت محط اهتمام العديد من الكتّاب والمُلحنين الموسيقيين المخضرمين منهم المنتج الموسيقي يائير دلال بقوله "إنها فنانة استثنائية تمكنت من تغيير شكل الغناء والموسيقى في العراق". 
ورغبت في تجديد الفن وتطوّر شخصيتها وحضورها النافذ في المجتمع العراقي، وآمنت بأن الحياة يجب أن تواكب مرحلة التجديد والتطوير محاولة الكشف عن خبايا وديمومة الحياة، وكما أسمتها بـ "معرفة الحياة". 
والتقت الفنانة بالمطربة المصرية أم كلثوم صاحبة لقب كوكبة الشرق في مسرح الهلال حين قدومها إلى العراق أول مرة عام 1935، التي تأثرت بأغنيها "كلبك صخر جلمود"، فقد عملت على تأديتها بصوت صادح حين اعتلت المسرح وانحنت انحناءة خفيفة أمام الجمهور ترحيباً بهم لتبتسم بعدها وتباشر أغنيتها التي تم تسجيلها على أسطوانة موسيقية، وعقب سماع أغنيتها أطلق عليها الأديب زكي مبارك لقب "ورقاء العراق"، الذي ذُهل بخامة صوتها.
التقت الفنانة بالفنان ناظم الغزالي في 8 كانون الثاني/يناير عام 1952، الذي كون معها علاقة حب وبعدها بعام تزوجا. كثيراً ما كان الفنان يتعاون مع سليمة مراد على حفظ المقامات والبستات القديمة التي تعني نغمة مذيلة بعد الفراغ وتعليم أصول الطرب الأصيل في الغناء، ففي عام 1958 قدما معاً حفلة جماهيرية حاشدة، مما فتح المجال أمامها إلى تقديم حفلات للجاليات العراقية في بلدان الغرب في باريس وفرنسا. 
اعتمد عليها ناظم الغزالي في كثيراً من أمور الحياة، فكانت بالنسبة له هي المعلمة والسند والصديقة، كما أن اعتمد على العديد من أغانيها القديمة في مجال الفن. وفي عام 1963، اتهمت سليمة مراد إثر مقتل زوجها الذي كان يصغرها بسنين عديدة، لكن الدلائل أثبتت العكس. 
تأثرت الفنانة سليمة مراد بوفاة زوجها ناظم الغزالي وحزنت عليه بشدة، وبعدها اعتزلت مجال الغناء والفن الموسيقي، إلى أن وافتها المنية في أحد مستشفيات بغداد في 28 كانون الثاني/يناير عام 1974. 
 
الموروث الغنائي العراقي حافظ على أغانيها 
امتلكت سليمة مراد حنجرة موسيقية صداحة ومتناغمة، ضاهت ألمع فناني الطرب العراقي، وبرزت في عدة أغاني نالت إعجاب جمهورها وأصحاب الذائقة الطربية، من أبرز أغانيها  "أيها الساقي إليك المشتكى" و"يا نبعة الريحان" و"الهجر" و"خدري الجاي خدري" و"على شواطئ دجلة مر" و"هذا مو إنصاف منك" و"الهجر مو عادة غريبة" وغيرها، ظلت معظم أغانيها التي أدتها بجوابات عالية خالدة كلماتها ومترسخة في الأذهان.
تعد أغنية "يا نبعة الريحان" من الأغاني الفلكلورية الذي حافظ عليها الموروث الغنائي العراقي، لسلاسة كلماتها ولحنها، فهي من مقام اللامي، وأصبحت في متناول عدة فنانين منهم محمد القبانجي وزكية جورج ومنيرة الهوزوز وعفيفة إسكندر. 
 
التنوع انعكاس طبيعي للحياة
كانت أعمالها الفنية من أوضح التسجيلات الصوتية وأكثرها نظاماً وأفضلها نوعية من حيث البناء، لكن بقيت أغلبها في فلك إيقاع موسيقي جورجيني عراقي ثقيل. تحتوي مفردات أغانيها على لغة مضمونها تعبيري مقامي وبغدادي عراقي بحت في الشكل والمضمون.
عكست الفنانة من خلال أعمالها الغنائية حياتها الشخصية بصورة عفوية وكنتيجة طبيعية للاتجاهات الفكرية والجمالية في حقبة التحول التي عاشتها آنذاك، فقد غنت العديد من أغاني العتب واللوم منها "مليان كل قلبي حجي" و"ليش ليش" و"هو البلاني" و"خيه لوصي المار".
وكانت في بعض أغانيها تبحث عن التحول الذي سعت أغلب نساء العراق إليه، وهو مناجاة الحبيب، وقد شاركتها في هذه التطلعات أقرانها من المطربات والفنانات، منها أغنية "يا دموعي سيلي" و"جان القلب ساليك" و"يا حمام الدوح" و"من همي نحل جسمي" وغيرها.
وتناولت الجانب الغزلي في أغلب أغانيها منها أغنية "نوبة مخمرة" و"إن شكوت الهوى" و"منك يالأسمر". وقد غنت في جمال الطبيعة أغنية "على شواطئ دجلة"، وعد هذا التنوع انعكاساً طبيعياً للحياة، وضروري لتجربة جديدة في حقبتها التاريخية، كتجربة الأداء النسوي في المقام الفني للتحوّل.
وعلى وجه الخصوص حاولت سليمة مراد كشف النقاب عن عالم تعبيري حالم يعكس حياتها وزهوتها وهي في أوج ذروتها الأدائية وتأثيرها إلى حد كبير بالمجتمع البغدادي الذي عبرت عن همومه ومعاناته، فقد استحوذت اهتمام فئات المجتمع الذائقة للفن والموسيقى من رجال ونساء.
 
"الباشا" مادة خصبة في الفن والطرب
حازت الفنانة التي أعطت الناس فناً على لقب "الباشا" من قبل رئيس وزراء العهد الملكي نوري السعيد في العشرينيات، وظلت محافظة على لقبها إلى أن أصدرت الحكومة العراقية في عقد الخمسينيات قانون جديد ينص على إلغاء الرتب العثمانية من أصحاب الجوائز والكفاءات، إلا أن جمهورها ومتابعيها قدموا لها الحب والتقدير في أوساطهم، وغالباً ما كانوا يسمونها بـ "سليمة الباشا".
ونالت عبر مشوارها الفني والنجاحات التي حققتها عدة ألقاب منها "مطربة العراق الأولى" و"صوت بغداد". وبات الفن الذي نشرته مادة خصبة للتعليم والدراسة في المعاهد والجامعات التعليمية المتخصصة في الفن والطرب والموسيقى في العراق.
وتجسدت شخصيتها في العديد من المسلسلات والأفلام، ففي المسلسل الدرامي الذي حمل عنوان "سليمة الباشا" عام 2010، عُرض فيه لمحات من حياتها بشكل موثق، وكشف التوتر الذي حصل بين سليمة مراد وناظم الغزالي في علاقة يتخللها الحب والعائلة والفن وغيرة المحبين وفضل الفنانة على شخصيات فنية كانت مجهولة.
وحافظ موقع المكتبة البريطانية "ساوندس" على أغانيها الموضوعة في أرشيفه بتسجيلات واضحة جداً، بلا ضجيج المسرح ولا خلفيات الجمهور. وكُرمت في مهرجان القدس الدولي للعود في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2018.