عزيزة أمير... رائدة السينما المصرية

مركز الأخبارـ "لقد نجحت فيما عجز عنه الرجال" بهذه الكلمات وصف المفكر المصري طلعت حرب رائدة السينما المصرية التي اقترن اسمها بتاريخ السينما.
عملت كمنتجة وممثلة ومخرجة ومؤلفة، هي عزيزة أمير صاحبة أول فيلم روائي في تاريخ السينما المصرية والعربية، والتي لقبتها الصحافة المصرية "بأم السينما المصرية". 
لم تعش تجربة الأمومة، فكانت دائماً تردد "لقد أنجبت بنتاً واحدة اسمها السينما المصرية". بصفتها أول مخرجة مصرية ورائدة في الإنتاج والصناعة بشكل عام، كرمت في أول مؤتمر لمناقشة صناعة السينما في البلاد عام 1936، قالت حينها "يكفيني فخراً أن صناعة السينما تقدمت هذا التقدم الكبير، وأن أكون أنا الفدية والقربان لهذا التقدم". 
اسمها الحقيقي مفيدة محمد غانم، أطلق عليها الفنان يوسف وهبي اسم "عزيزة أمير"، ولدت في مدينة دمياط بشمال مصر في 17كانون الأول/ديسمبر1901، كانت يتيمة الأب، توفي والدها بعد خمسة عشر يوماً من ولادتها، قضت طفولتها في الاسكندرية، ثم انتقلت إلى القاهرة، وعاشت في شارع خيرت بالقرب من حي السيدة زينب، تعلمت القراءة والكتابة ومبادئ العزف على البيانو لأن حلمها كان أن تصبح موسيقية، كانت ذات ثقافة واسعة بالرغم من أنها لم تكمل داستها، واستطاعت تعلم اللغة الفرنسية.  
تعرفت مفيدة محمد غانم على الفن من خلال رحلتها إلى أوروبا مع أحد اصدقاء الأسرة الذي كان عضواً في البرلمان وله نشاطات أدبية عديدة، أهتم بتعلميها وتوسيع آفاق تفكيرها على الأدب والفن، فترددت على المسارح واستوديوهات السينما، وتعرفت خلال رحلتها على المخرج العالمي ومؤسس السينما في هوليوود دافيد وارك جريفيث، وعرض عليها الظهور في أحد أفلامه العالمية، لم تكن لها الجرأة الكافية لدخول عالم الفن، لذلك رفضت الطلب، لكن ذلك ولد لديها حب الفن والتمثيل، فعادت إلى مصر.
 
الانضمام إلى فرقة رمسيس 
بداية مشوارها الفني في المسرح كان عن طريق قرائها لخبر في أحد الصحف المصرية عن رغبة الفنان يوسف وهبي بفتاة للعمل في فرقته المسرحية "رمسيس" فأرسلت له طلباً لرغبتها في العمل مرفقاً بصورتها.
لم تطلب من يوسف وهبي الانضمام للفرقة بل طلبت أن يعطيها دور البطولة، لفتته جرأتها مما أثار فضوله للتعرف عليها.
في عام 1925 ضمها إلى فرقته وأطلق عليها اسم "عزيزة أمير" الذي عرفت به منذ ذلك الوقت. لعبت دور البطولة في مسرحية "الجاه المزيف"، التي كانت الانطلاقة الأولى لشهرتها في عالم الفن.
بعد موسم واحد فقط من عملها مع يوسف وهبي، انتقلت للعمل في فرقة "ترقية التمثيل العربي" ومثلت فيها مسرحيات "ليون الأفريقي، إحسان بيك، المجاهدون، فرانسيسكو، الشرف الياباني".
رغم النجاح الذي حققته إلا أنها انتقلت بعد فترة قصيرة إلى فرقة "نجيب الريحاني" ومثلت فيها العديد من المسرحيات أيضاً منها "الآنسة بطاطا"، عادت بعد ذلك إلى فرقة رمسيس وأدت دور البطولة في مسرحية "أولاد الذوات" التي تحولت إلى فيلم سينمائي، وفي افتتاح الفرقة القومية موسمها الأول عام 1935 أدت دور البطولة في مسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم.
  
مشوراها السينمائي 
مرضها وملازمتها للفراش فتحا أمامها باب الشهرة لتكون أول امرأة مصرية تقوم بإخراج وانتاج أول فيلم سينمائي صامت في البلاد، زوجها أحمد الشريعي الذي تزوجته في عام 1927 اشترى لها آلة عرض سينمائية صغيرة لتشاهد عليها الأفلام الأجنبية وتخفف من وحدتها. 
لم تكتفي بمشاهدة الأفلام على آلة العرض السينمائية فقط، بل طلبت من زوجها آلة تصوير سينمائية صغيرة لتصور بها أفلاماً عائلية، في فيلمها الأول والذي لم تتجاوز مدته الـ 5 دقائق ظهر أفراد من العائلة وصديقاتها. اللافت للانتباه كان أنها كتبت في مقدمته تصوير وإخراج عزيزة أمير.
منذ ذلك الحين بدأ تفكيرها يتجه إلى الانتاج السينمائي لتصبح عزيزة أمير أول مخرجة سينمائية.
لعب وداد عرفي الفنان المصري دور البطولة في أول فيلم صامت انتجته باسم "نداء الرب" عام 1926 لكن بعد أن نشبت خلافات بينهما، أعادت هي إخراجه بمساعدة صديقها الفنان "استيفان روستي" ليقوم بدور البطولة وغيرت اسم الفيلم إلى "ليلى".
 
"ليلى" أول فيلم في تاريخ السينما المصرية
يعتبر "ليلى" أول فيلم صامت في تاريخ السينما المصرية، وتدور أحداثه حول فتاة من الريف تقع بحب شاب يدعى أحمد يعمل دليلاً سياحياً وتحمل منه، ولكنه يتركها ويهرب مع سائحة أمريكية، فتهرب ليلى من القرية إلى القاهرة حيث تلد طفلتها وتنتحر.
ردود الفعل الغاضبة من قبل المشاهدين تجاه النهاية المأساوية اجبرتها على إعادة تصويره واختيار نهاية سعيدة للفيلم حيث يعود فيها الشاب إلى ليلى ويترك الفتاة الأجنبية.
الفيلم عرض في جميع دور السينما الموجودة في مصر والعديد من الدول العربية، بحضور رائد الاقتصاد والمفكر المصري طلعت باشا حرب، الذي كان قد حذر عزيزة أمير سابقاً بأن تتخلى عن حلمها المستحيل في السينما، إلا أنه بعد نجاح فيلمها هنأها قائلاً "لقد نجحت فيما لم ينجح في تحقيقه أي رجل"، ومنذ ذلك الحين لقبت عزيزة أمير بمؤسسة السينما في مصر، كما قال لها أمير الشعراء أحمد شوقي "أرجو أن أرى هذا الهلال يكبر حتى يصبح بدراً كاملاً".  
تغلغلت عزيزة أمير في السينما حتى أصبحت صانعة ومكتشفة للمواهب في جميع مجالات الفن، كانت لها خبرة عالية في الإخراج والتمثيل والتأليف وحتى المونتاج، أنشأت في عام 1928 أستوديو هليوبوليس، الذي كان أولى أعمالها فيه اخراج فيلم "بنت الليل" الذي عرض في كانون الأول/ديسمبر 1928، وأنتجت في عام 1933 فيلم "كفري عن خطيئتك" الذي لم ينجح تجارياً؛ لأن السينما تحولت في تلك الفترة من الصامتة إلى الناطقة.
جراء خسارتها بعد الفيلم توقفت عزيزة أمير عن الانتاج، وأخذت تراقب تطور الحركة السينمائية التي أنشأتها عن طريق شركتها "إيزيس فيلم" للإنتاج السينمائي بالتعاون مع زوجها.
حياتها العائلية مرت باضطرابات فقد أجبر زوجها أحمد الشريعي على التخلي عنها بسبب معارضة عائلته عملها في المسرح، هذا الأمر جعلها تقرر الانتقام منه، فتزوجت من شقيقه مصطفى الشريعي في عام 1933 لكن زواجها لم يستمر أكثر من سبع سنوات حيث أنها فضلت الانفصال بعد اكتشافها لزواجه الثاني والذي حاول اخفائه عنها.
تزوجت بعد سنوات من محمود ذو الفقار وكانت الحركة السينمائية قد تطورت بشكل كبير، فعادت لتؤسس شركة أمير فيلم.
 
أعمال خالدة
كممثلة قدمت عزيزة أمير خلال مشوراها الفني 20 عملاً منها "بسلامته عايز يتجوز" في عام 1936 مع نجيب الريحاني، وقدمت مع زوجها المخرج محمود ذو الفقار فيلم "بياعة التفاح" عام 1939 الذي يعتبر أول أفلامها الناطقة، و"حبابة" مع يحيى شاهين في عام 1944، و"نادية" مع سليمان نجيب في عام 1949. 
كانت عزيزة أمير مبدعة في مجال كتابة السيناريو والحوار، فقدمت خلال مسيرتها 18 سيناريو وحوار للأفلام منها "ابنتي" مع زكي طليمات في عام 1944، "عودة طاقية الاخفاء" مع هاجر حمدي في عام 1946، "قسمة ونصيب" مع تحية كاريوكا عام 1950، وكان أخرها "خدعني أبي".  
استطاعت إبراز القضايا الوطنية من خلال أفلامها، فكتبت وأنتجت فيلم "فتاة من فلسطين" الذي يعد أول فيلم يتناول القضية الفلسطينية، ويتطرق إلى بطولات الجيش المصري في حرب 1948، والذي عرض أول مرة في تشرين الثاني/نوفمبر 1948، بسينما "رويال".  
شاركت في أفلام أجنبية أيضاً مثل الفيلم الفرنسي "الفتاة التونسية" عام 1931، والفيلمين التركيين "الكاتب المصري" و"شوارع إسطنبول" في عام 1932.
قدمت في مجال الإنتاج عن طريق شركتها "إيزيس فيلم" 25 فيلماً، كان أخرها فيلم "آمنت بالله" الذي احترقت بعض فصوله في حريق القاهرة في 26كانون الثاني/يناير 1952، لذلك لم تتمكن من عرض الفيلم. بعد وفاتها أجريت عليه بعض التعديلات وعرض في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 1952 بدار سينما كوزمو بالقاهرة، ووضعت باقة من الزهور الكبيرة مكان الرحلة عزيزة أمير التي توفيت في 18شباط/فبراير 1952.