نعمت بدر الدين: العقلية الذكورية تعيق وصول المرأة إلى مراكز صنع القرار في لبنان

كارولين بزي
بيروت ـ على الرغم من أن المرأة في لبنان لا تملك مفاتيح القرار إلا أن تواجدها في مراكز صنع القرار تطور عن السنوات الماضية، ولاسيما بعد الإقبال الكثيف للمرشحات على الانتخابات النيابية في عام 2018. 
تتحدث الناشطة والمرشحة السابقة للانتخابات النيابية نعمت بدر الدين، والتي تتحضر لخوض السباق الانتخابي المقبل في عام 2022، عن واقع المرأة اللبنانية في الحياة السياسية وعن برنامجها الانتخابي.
 
"إقبال النساء على الترشح للانتخابات النيابية جاء نتيجة نضالات"
تعتبر نعمت بدر الدين في حديث لوكالتنا أن "واقع المرأة في الحياة السياسية في لبنان أفضل من السنوات السابقة، وذلك وفق عدد النساء اللواتي ترشحن للانتخابات النيابية وعدد النساء اللواتي فزن في الانتخابات البلدية الماضية، بالإضافة إلى النساء اللواتي يتحضرن في الوقت الحالي للانتخابات النيابية المقبلة".
وتلفت إلى أن "وجود المرأة في الحياة السياسية تجلّى خلال الثورة ولاحقاً بحركة الجمعيات النسوية، وحتى الناشطين/ات في الشأن السياسي أصبحوا يعتبرون حقوق المرأة قضية أساسية وهي ضمن سلة متكاملة من الحقوق المدنية والدولة المدنية التي يريدونها". 
وتوضح "هذا التطور لم يأتي من فراغ بل نتيجة تراكم، أولاً هو نتاج نضالات نساء لبنانيات رائدات من ليندا مطر ووداد شختورة وصولاً إلى فادية كيوان، إضافةً إلى جمعيات تعمل في المجال النسوي، هذه الجمعيات تتابع قضايا عدة متعلقة بالمرأة مثل عمل المرأة في الحياة السياسية، العنف ضد المرأة، حق المرأة اللبنانية بمنح الجنسية لعائلتها. كما أن هناك دور للهيئة الوطنية لشؤون المرأة ووزارة شؤون المرأة، كل هذه التحركات والنشاطات جاءت بناءً على أجندة التنمية المستدامة 2030، التي تحدثت عن دور المرأة ودعمها في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وتم تخصيص ميزانيات لها في لبنان".
 
"من دون كوتا هناك صعوبة في الوصول إلى المجلس النيابي" 
فيما يتعلق بالكوتا النسائية تقول "كنت ضد الكوتا النسائية لأنني أعتبرها نوع من التمييز ولو كان ايجابياً، لأن النساء اللبنانيات لا يحتجن إلى كوتا لكي يعملن في المجال السياسي أو يصلن إلى البرلمان أو الحكومة والبلدية... لكن مع النظام السياسي الطائفي في لبنان الرجل الكفوء والمناضل والذي يستحق الوصول إلى المطبخ التشريعي أي البرلمان ليس لديه فرصة في هذا البلد فكيف بالنساء! لذلك يبدو أن علينا أن نفرض تمثيل المرأة على الذهنية اللبنانية التي بأغلبيتها ذهنية حزبية ذكورية تفضّل تمثيل الرجل بدلاً من المرأة في المراكز السياسية". 
وتتابع "لكي تستطيع المرأة الوصول إلى البرلمان عليها أن تملك المال والحزب السياسي الداعم والدعم الإعلامي وكذلك الدعم الاقتصادي".
إلى جانب العوامل المذكورة سابقاً هناك ما يمنع المرأة من الوصول إلى المجلس النيابي، وتوضح "ما يمنع المرأة من الوصول إلى المجلس النيابي هو العقلية الذكورية، المرأة لا تزال مهمشة في القوانين اللبنانية مثل الضمان الاجتماعي وقانون الجنسية، كما أنها ليست متساوية الأجر مع الرجل، والغالبية لا تزال تنظر إلى أن السياسة حكر على الرجل، وأغلب النساء اللواتي يعملن في الشأن السياسي يتعرضن للتنمر، للتهميش والتمييز، لذلك حالياً من دون كوتا هناك صعوبة في الوصول إلى المجلس النيابي".
وتتابع "أنا من اللواتي ترشحن للمجلس النيابي في عام 2018، فإذا لم يساندك الدعم المالي والاجتماعي والإعلامي والاقتصادي ربما لن يعرف أحد أنك ترشحت، لذلك هناك حاجة إلى حزب وإذا كنت مستقلة فأنا بحاجة إلى جهة داعمة وهذا الدعم غير متوفر في لبنان".
وتضيف "أعمل في الشأن السياسي منذ 22 عاماً هذه السنوات جميعها في كفة وتجربة الانتخابات النيابية في كفة ثانية، من اللحظة التي تتخذين فيها قرار الترشح وصولاً إلى صدور النتائج تشعرين بأنك في عالم آخر، لذلك الترشح للانتخابات النيابية ليس سهلاً فهو بحاجة إلى مقومات وإمكانيات".
 
"قانون موحد للأحوال الشخصية أبرز القضايا في برنامجي الانتخابي"
وأعلنت نعمت بدر الدين "اتخذت قرار الترشح في الانتخابات النيابية المقبلة علماً أنني كنت أفكر في الترشح فقط في حال تغيير القانون، ولكن بالتأكيد سأذهب إلى الانتخابات على الرغم من أن القانون لن يتغير"، وتشير إلى أنها تعلمت من تجربتها السابقة.
عن برنامجها الانتخابي، تقول "لم يتغير شيء في برنامجي الانتخابي لأن البلد لم يتغير بل أصبح أكثر سوءاً. فأنا مع إعطاء المرأة اللبنانية الحق في منح أولادها الجنسية دون قيد أو شرط لأن الدستور اللبناني ينص على المساواة بين المرأة والرجل. أؤيد إقرار قانون موحد للأحوال الشخصية لأننا نعاني من مشاكل الطلاق، الزواج، الحضانة والوصاية... القوانين تهمش المرأة اللبنانية وتنتقص من حقوقها ولاسيما في مجال العمل والضمان الاجتماعي، وبالتالي هذه القضايا موجودة ولا نقوم بابتكارها على عكس تلك التي تهبط علينا بالمظلة على الرغم من أهميتها ولكنها ليست أولوية مثل الإجهاض وزواج المثليين".
وبالرغم من أن لبنان قد وقع على الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) عام 1996، أي بعد 15 عاماً من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، غير أنه مع توقيعه على الاتفاقية ظل متحفظاً على عدد من المواد، ويجرم القانون في البلاد عمليات الإجهاض بحسب نص القانون الذي يعود لعام 1943، الذي لم يخضع لتعديلات يجاري النقاشات حول حقوق المرأة، وتنص المادة 541 من قانون العقوبات، على أن "كل امرأة تطرح نفسها مجرمة"، وتعاقب بالحبس فترة ما بين ستة أشهر إلى ثلاث سنوات. 
أما عقوبة من يقوم بإجهاض امرأة برضاها، فتتراوح ما بين سنة وثلاث سنوات، كما تنص المادة 542 من قانون العقوبات. أما المادة 543 فنصت على الحكم على من سبب عن قصد إجهاض امرأة دون رضاها، بالأشغال الشاقة لخمس سنوات على الأقل.
بالنسبة للشق الثاني من البرنامج فهو موجه لكافة شرائح الشعب اللبناني، وتقول "يركز على القطاعات الصحية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية ويتطرق إلى تسليح الجيش اللبناني، البطاقة الصحية والضمان الاجتماعي. برنامج المرأة المرشحة من غير المفترض أن يكون نسوياً فقط وهذه المرأة ستذهب إلى البرلمان أي مطبخ التشريع لا برلمان المرأة، وبالتالي عليها أن تثبت أنها على مستوى عالٍ من الكفاءة وتمثل كافة شرائح المجتمع".
 
"شهدنا إقبالاً نسائياً على الترشح للانتخابات النيابية"
في حال إقرار الكوتا من هن النساء اللواتي سيصلن إلى البرلمان؟ تعلق على هذا السؤال نعمت بدر الدين وتقول "في حالة النظام السياسي في لبنان والأحزاب السياسية القوية سيكون هناك عائق أمام وصول النساء المستقلات، مثلاً بدلاً من وصول نبيه بري رئيس مجلس النواب إلى المجلس النيابي ستصل زوجته... المرأة التي يرشحها الحزب ستكون انعكاس للحزب الذي رشحها، أي أن برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والذي لم ينفذه الرجل لن تنفذه. مثلاً أحترم وجود ستريدا جعجع في البرلمان ولكنها في النهاية صدى لحزبها ولن تصل إلى المجلس النيابي إذا لم تكن كذلك، وبالتالي سنواجه المشكلة نفسها".
تعترف نعمت بدر الدين أن هناك إيجابيات وسلبيات للكوتا، وتعتبر أنه في ظل الضغوط الدولية التي تُمارس على لبنان يمكن أن توافق الأحزاب اللبنانية على إقرار قانون الكوتا على الرغم من أنها سابقاً وعدت ولم تفِ.
وعن الإقبال النسائي الكبير للترشح على الانتخابات النيابية الماضية، تقول "انكسرت فكرة وجود امرأة في العمل السياسي، الإعلام لعب دوراً، التحركات الشعبية التي انطلقت منذ العام 2011 كان لها دور أيضاً، حملة إسقاط النظام الطائفي إلى حملة "لا للتمديد" إلى حملة النفايات... كلها عناصر ساهمت بإظهار كفاءات نسائية تثبت بأن المرأة قادرة وتستطيع".
 
"في الأحزاب طاقات نسائية قوية ولكنهن مهمشات" 
وتشير نعمت بدر الدين "على المقلب الآخر، بدأت الأحزاب السياسية العمل بأجنحتها النسائية، إذ باتوا يدركون بأن الأجندة الدولية يهمها تمثيل المرأة ودعمها، لذلك اتجهت الأحزاب إلى تدريب وتجهيز النساء لديها للانتخابات في حال تم إقرار الكوتا، ولا ننكر أن لدى الأحزاب طاقات نسائية قوية ولكنهن مهمشات، لأن الأحزاب عبارة عن مجتمع ذكوري مصغر وفي حال خُيّر الحزب بين ترشيح المرأة أو الرجل، يقع الخيار على الرجل المتمول وصاحب النفوذ والعلاقات السياسية".
وتؤكد بأن ما يعنيها هو وصول صاحب البرنامج إلى الندوة البرلمانية بغض النظر إن كان امرأة أو رجل، ولكنها تعود وتؤكد بأن "هناك نوع من المناصرة الداخلية للنساء ربما بسبب التهميش والاستبعاد والجرائم التي ترتكب بحق النساء. نأمل في حال تم تشكيل لوبي نسائي داخل المجلس النيابي أن يساهم في تمرير قوانين العنف ضد المرأة بصيغتها المثالية".
وذكرت في حديثها أمثلة حول بعض النساء اللبنانيات داخل البرلمان، وقالت "على الرغم من أنني اختلف مع النائب عناية عز الدين بالخط السياسي، ولكن تجربتها كانت مميزة ولاسيما عندما تولت حقيبة التنمية الإدارية في حكومة الرئيس سعد الحريري السابقة، قدمت نموذجاً فريداً وأفضل من سلفها، بينما تجارب بهية الحريري وستريدا جعجع ونيلا معوّض لم تكن ناجحة". 
وتتابع "اعتقد أن هناك نساء كان يجب أن يخضن العمل السياسي إن كان في المجلس النيابي أو الحكومة مثل فيرا يمّين، فهي تملك طاقة تمثل المرأة اللبنانية بكفاءة، بعيداً عن خطها السياسي". 
 
"تستطيع المرأة الوصول إلى المناصب ولكن ما هي صلاحياتها؟"
فيما يتعلق بوزارة شؤون المرأة التي تم تغييبها عن الحكومة الأخيرة، تقول نعمت بدر الدين "الهدف من استحداثها كان منافسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة التي ترأسها ابنة رئيس الجمهورية كلودين عون، إذ نصح المجتمع الدولي حينها سعد الحريري بأن يستحدث وزارة شؤون المرأة... ولكن اسم الوزارة غير مهم إذا كان هناك إرادة سياسية بمنح المرأة حقوقها". 
عن الحكومة الأخيرة التي ضمت ست وزيرات ومن بينهن الوزيرة زينة عكر التي تسلمت حقيبة الدفاع وبعدها الخارجية، تعلق قائلةً "وجود هذا العدد من النساء في الحكومة إيجابي لمن يريد أن ينوّع، وإذا أردنا أن ندّعي بأننا بلد متطور يسلم حقيبة الدفاع أو الداخلية لامرأة، فالنساء لا تنقصهن أي كفاءة ويستطعن أن يتسلمن مختلف المناصب.
وعلى الرغم من أن شخصية زينة عكر قوية وتم إسناد إليها وزارتي الدفاع والخارجية، لكن وجودها في هذا المنصب كان سياسياً ولا نقيّم توليها الحقيبة على أساس المرأة أو الرجل، مثلاً ندرك تماماً أن زينة عكر لا تستطيع أن تسلح الجيش اللبناني بصواريخ أرض جو، إذ أن صلاحياتها محصورة باستقبال وفود ومحاولة حل بعض المشاكل على المستوى الداخلي ولكن على المستوى الاستراتيجي الحكومة بأكملها غير فعالة، وسنظلمها إن تعاملنا معها على أساس أنها وزيرة امرأة. تستطيع المرأة أن تكون في كل المناصب ولكن السؤال ما هي صلاحياتها؟!".
وعبّرت نعمت بدر الدين عن تشاؤمها بالمشهد السياسي الحالي على كافة المستويات، وتقول "نحن نعيش حصاراً داخلياً بفعل فساد السلطة وكذلك حصار خارجي وهناك ضغط دولي من أجل تحقيق المصالح ولبنان أرض خصبة لهذه المشاريع، أعتقد أن أمامنا سنوات صعبة، نتمنى أن يصمد فيها البلد وألا يتم تقسيمه وعلينا جميعاً تحمّل المسؤولية".
 
"المرأة قادرة على مواجهة الأزمات"
فيما يتعلق بإمكانية المرأة في مواجهة الصعوبات والأزمات التي يعيشها لبنان في حال كانت في مراكز صنع القرار، تقول نعمت بدر الدين "المرأة تتحمل الضغوط أكثر من الرجل، وتستطيع في زمن الأزمات أن تدير منزلها بميزانية صغيرة وتقوم بعدة أدوار داخل المنزل وخارجه. ولى زمن اعتبار المرأة ضعيفة وهشة، وأعتقد إذا ابتعد الدين عن المرأة ستكون بخير". وتوضح "رجال الدين في لبنان الذين يعتبرون أنفسهم سلطة الله على الأرض ويتحكمون بالدين ويقومون بحماية السلطة السياسية يعيقون تقدم المرأة، مثلاً يرفض حزب سياسي طائفي كـ "حزب الله" بأن يرشح نساء للانتخابات النيابية علماً أن هؤلاء النساء ناضلن وربين أجيالاً مقاومة".
وفي الختام شددت الناشطة والمرشحة للانتخابات النيابية نعمت بدر الدين "على المرشحة ألا تتوجه إلى المرأة فقط، إذا كان لديها برنامج جدي واسع وتلتزم من خلاله بقضايا المجتمع والمرأة وألا تكون فقط نسوية وألا تحمل الخطاب النسوي فقط عندها ستكتسب ثقة الجميع، وبالتالي علينا دور شاق ولاسيما في هذه الظروف".