هفرين خلف... شهيدة الوطن الحر

مركز الأخبار ـ هفرين خلف سياسية وناشطة كردية أثار استشهادها الرأي العام المحلي والعالمي لبشاعة الجريمة التي أقدم عليها مرتزقة تركيا بدم بارد لا لشيء إلا لكونها تحمل فكراً متنوراً يسعى إلى بناء سوريا ديمقراطية تعددية تعيش شعوبها في أمن وسلام.  
آمنت الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف بقضيتها منذ الصغر، التحقت بالعمل السياسي، وسعت من خلال عملها في الحزب إلى توحيد التراب السوري بمختلف مكوناته، وكان لها دور فعّال في إدارة مكاتبه في مختلف مناطق شمال وشرق سوريا.
 
هفرين خلف والعدوان التركي الأخير 
"إنه عمل إجرامي مخالف للقوانين الدولية" أثارت كلماتها هذه ومواقفها الوطنية حفيظة الاحتلال التركي الذي بدأ عدوانه على مناطق شمال وشرق سوريا في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2019، بهدف إجهاض المشروع الديمقراطي وإنشاء ما يسمى بمنطقة آمنة وإعادة اللاجئين السوريين وتغيير تركيبة سكان المنطقة كما فعل في عفرين عند احتلالها في 18 آذار/مارس 2018.
وخلال العملية استخدمت تركيا أدواتها من المرتزقة وهم عناصر من داعش والنصرة المصنفين على لوائح الإرهاب الدولي، إضافة للعديد من المجموعات الإرهابية الأخرى تحت مسمى الجيش الوطني السوري الذي لم يكن له نصيب من الحرية والوطنية سوى الاسم.
وارتكب المرتزقة أبشع الجرائم بحق المدنيين والأهالي وتسببوا في نزوح آلاف الأسر فعاثوا في الأرض فساداً وخطفوا وقتلوا المدنيين بمساعدة من طيران الاحتلال التركي وباستخدام السيارات المفخخة وهو أسلوب داعش في الحرب.
كانت هفرين خلف واعية لأطماع دولة الاحتلال التركي والتي لم تتوقف عند احتلال عفرين وجرابلس، كما كانت ترى أن تركيا تهدف لخلق فتنة بين مكونات المنطقة، لذلك كانت تشدد على استمرار النضال والمقاومة ضد أي احتلال للمنطقة من قبل أي عدو كان.
 
الاستشهاد
قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم:
(يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، غريزو اللحية، مقصرين الثياب، محلّقين الرؤوس، يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء)، هذا ما كتبته الشهيدة على حسابها في صفحة التواصل الاجتماعي فيسبوك في 15 آب/أغسطس 2014، ولم تكن تعلم حينها أنها ستفقد حياتها على يد تلك المجاميع الإرهابية التي كتبت عنها، تلك المجاميع التي عاثت في الأرض فساداً فقتلت الصغار قبل الكبار، وشوهت صورة الإنسانية في مشهد اغتيالها.
ورغم الهجوم التركي الشرس على مناطق شمال وشرق سوريا استمرت هفرين خلف في عملها رغم إمكانية تعرضها للخطر وهو ما حدث فعلاً في الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 2019 عندما كانت متوجهة من مدينة قامشلو بسيارتها نحو مدينة الرقة برفقة السائق وأحد مساعديها.
بقيت هفرين خلف على تواصل مع والدتها إلى أن أنقطع قبل يوم من استشهادها، وفي يوم الجريمة اتصل شخص من هاتف هفرين بوالدتها سعاد محمد دون أن يتحدث معها، وبدا كأنه مشغولاً بأمر آخر دون أن يعلم أنه اتصل بوالدة الشهيدة، وكان الاتصال بمثابة دليل على أن هفرين أصبحت رهينة في يد المرتزقة إن لم تكن قد استشهدت بالفعل.
ضاقت بالأم السبل فتوجهت نحو مدينة قامشلو لعلها تجد خبراً أكيداً عن فلذة كبدها وظلت تحاول الاتصال بهاتفها دون فائدة، ثم اتصلت برفاقها في الحزب الذين أشاروا عليها بالتوجه إلى مشفى الحسكة.
عاشت الأم الثكلى ساعات هي الأصعب في حياتها لم يكن لديها أي خبر عن ابنتها فبعد أن قررت التوجه إلى مدينة الحسكة جاءها اتصال آخر يطلب منها التوجه إلى الأمن العام في مدينة تل تمر، ثم مكالمة أخرى تقول لها عودي إلى مدينة ديريك.
في ديريك فقدت الأم كل الآمال بأن ابنتها على قيد الحياة، عند وصولها إلى مشفى ديريك قال لها رفاق ابنتها في الحزب أن رفيقتهم استشهدت وينتظرون وصول جثمانها.
كانت الصدمة للأم أكبر عندما رأت جثة ابنتها مشوهة روت تفاصيل تدمي القلب عن حال هفرين خلف التي كانت تضج بالحياة قبل ساعات فتقول بحرقة "كانت مشوهة... وجهها ورقبتها مهشمة".
كان المرتزقة وهم من فصيل الفيلق الثاني التابع لما يعرف باسم فرقة السلطان مراد وهو أحد الفصائل الإرهابية التابع لتركيا قد نصبوا لها كمين على الطريق الدولي المعروف اختصاراً بـ M4 بعد أن سيطروا عليه بدعم من الطيران التركي في إطار العدوان المسمى بعملية نبع السلام وما السلام منها من شيء.
 
تقرير الطب الشرعي 
كشف تقرير الطب الشرعي أن هفرين خلف تعرضت للضرب بأدوات حادة على مناطق متفرقة من جسدها مما ترك آثاراً كبيرة خاصة على رأسها وساقها اليسرى، وتم جرها وشد شعرها حتى اقتلاع معظمه مع الجلد من جهة رأسها الخلفية قبل أن يجهز المرتزقة عليها بوابل من الرصاص، وتوفيت متأثرة بإصاباتها نتيجة لنزيف حاد في الدماغ. 
وأظهر الفيديو الذي صوره المرتزق المعروف بالحارث الرباح وهو أحد مرتزقة ما يعرف بأحرار الشرقية، مشاهد من الجريمة البشعة وانتشر على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.
وأكد مصور الفيديو قيام الفصيل بنصب كمائن على الطريق لإيقاف السيارات المارة وأخذ الرهائن وعند تقدم سيارة تويوتا سوداء مصفحة دون أن تتوقف أطلق المرتزقة عليها الرصاص وكان بداخلها السياسية هفرين خلف والتي اعتبرت صيد ثمين بالنسبة لهم. 
 
ردود الفعل
مع ثلاثة شهداء أعدمهم المرتزقة شيع أهالي شمال وشرق سوريا جثمان شهيدة مقاومة الكرامة هفرين خلف في موكب مهيب إلى مثواها الأخير في مزار الشهيد خبات ديرك في مسقط رأسها بمدينة ديريك/المالكية في شمال وشرق سوريا.
أثار استشهاد السياسية الكردية هفرين خلف تنديداً دولياً واسعاً طالب بمحاسبة مرتكبي الجريمة، وخاصة بعد تسريب فيديوهات مروعة أظهرت عملية قتلها والتمثيل بجثتها بأبشع الطرق اللاإنسانية، وكانت من أبرز هذه الردود وصف مبعوث واشنطن السابق في التحالف الدولي بريت ماكغورك قتل هفرين بجريمة حرب، فيما وصفتها الولايات المتحدة بأنها عملية "إعدام خارج نطاق القضاء".
بالمقابل لم تبدي تركيا أي ردة فعل تجاه الطريقة التي قتلت بها رغم بشاعتها وتشابهها مع ممارسات مرتزقة داعش بل على العكس أشادت صحيفة يني شفق التركية المقربة من النظام التركي بالعملية ووصفتها بالناجحة.
وكانت الفصائل الإرهابية قد انكرت في البداية مسؤوليتها عن الجريمة إلى أن بدأوا يتقاذفون التهمة فيما بينهم وحتى الإدارة الذاتية لم تحط بتفاصيل الجريمة حتى تم تداول فيديو من قبل الفصيل الإرهابي يظهر عملية اغتيال الشهيدة وزوال جميع الشبهات.
وقد فرضت أمريكا في 28 تموز/يوليو الماضي عقوبات على مرتزقة فصيل أحرار الشرقية المنضوي تحت سقف ما يدعى بـ "الجيش الوطني" وعلى رأسهم قاتل الشهيدة هفرين خلف أحمد إحسان فياض الهايس المعروف بأبو حاتم شقرا.
 
هفرين خلف والمرأة السورية
تبنت مشروع الأمة الديمقراطية والذي يعتبر المرأة أساس الحياة وتحرير المرأة السبيل الوحيد لتحرير المجتمع، وبدأت نشاطها النسوي في مختلف مناطق شمال وشرق سوريا مع تحرير مناطق أوسع خلال عمليات قوات سوريا الديمقراطية لتبدأ معركة جديدة وهي تحرير النساء من فكر داعش الظلامي فكانت تقوم بعقد اجتماعات في العديد من مناطق شمال وشرق سوريا وخاصة في المناطق المحررة من سيطرة مرتزقة داعش كالرقة ودير الزور ومنبج وشهدت تلك الاجتماعات حضوراً نسائياً واسعاً من مختلف المكونات وكانت هفرين خلف تشرح لهن أهمية المرأة في المجتمع ودورها في بناء مستقبل مشرق لشمال شرق سوريا، وأهمية تحررها من الظلم والعبودية والقمع وانخراطها في كافة المجالات.
واحتلّت المرأة مكانة متقدمة في كافة الهيئات المدنية والتنظيمات النسوية التي تمّ تشكيلها بعد الإعلان عن تشكيل الإدارة الذاتية الديمقراطية وكان لها تمثيل متقدم في كافة الهيئات واللجان التابعة للإدارة الذاتية بنسبة 50% في سابقة لم تصل إليها أكثر الدول المتقدمة في مجال حقوق المرأة.
 
نشأتها
ولدت هفرين حاجي خلف في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 1984، في مدينة ديريك/المالكية شمال شرق سوريا، لعائلة كردية وطنية نشأت على محبة القضية الكردية، تتألف من ثلاث فتيات وأربعة أخوة، كان والدها يعمل بالزراعة وكان يمتلك أرضاً ورثها عن جده في قرية ريحانيك إحدى قرى تلك المدينة، توفي عام 2016 نتيجة تدهور حالته الصحية، لتبقى هفرين مع والدتها وأشقاءها في منزل العائلة.
 
تحصيلها العلمي
درست مراحلها التعليمية في مدارس مدينة ديريك/المالكية إلى أن وصلت للمرحلة الجامعية، ففي الابتدائية درست في مدرسة رفعت حاجي سري، ودرست الإعدادية في مدرسة زهير بن أبي سلمى، وأكملت المرحلة الثانوية في مدرسة طليعة للفتيات، وحصلت على الشهادة الثانوية في الفرع العلمي عام 2002. 
كانت هفرين خلف ومنذ صغرها تحلم بأن تصبح طبيبة، وتدرس الطب عند دخولها الجامعة، إلا أن سياسة نظام البعث وقفت في وجه أحلامها البريئة تلك، فقد كان رائجاً أن ينتسب الطلبة في المرحلة الثانوية لحزب البعث وبالتالي عندما يحتاج الطالب بضع علامات لدخول فرع الجامعة الذي يريده، يتم إضافة هذه العلامات "الحزبية" لمجموعه، لكن هذا لم يحصل مع هفرين التي رفضت الانضمام للحزب، وبالتالي لم تتمكن من الحصول على مساعدة لدخول كلية الطب، فدخلت مجال الهندسة المدنية في جامعة حلب عام 2003 وتخرّجت منها عام 2009.
 
اللغات والهوايات
كانت تحب المطالعة كثيراً، ملمّة بالطبيعة والزراعة لكونها من عائلة ريفية وخاصة بزراعة الأشجار، وكانت تعتني بأشجار منزلها كثيراً، بالإضافة إلى أنها كانت تحب تعلم اللغات، فإلى جانب لغتها الكردية الأم، كانت تجيد اللغة العربية والإنجليزية.
كما كان استغلال الوقت بالنسبة لـ هفرين خلف مهم جداً، وكانت تقول في ذلك "إن كل لحظة مهمة في حياتنا ويجب علينا أن نستغلها".
 
وظائف مختلفة
عملت هفرين بعد تخرّجها بعدة وظائف مختلفة، فقد كانت تعطي دروساً خصوصية في المواد العلمية لطلاب المرحلة الثانوية وخاصة الفقراء منهم، إلى جانب عملها بمركز دائرة الخدمات العامة في مدينة ديريك/المالكية.
 
بعد تشكيل الإدارة الذاتية... المناصب التي تبوئتها
تعيش سوريا منذ أكثر من تسع سنوات حرب دمرت البشر والحجر وتركت الشعب السوري إما نازحاً في بلده أو مهجر، في هذا الوقت كانت مناطق شمال وشرق سوريا هي الأكثر مقاومة وأمناً مقارنة بالمناطق السورية التي تشتعل بالحروب وذلك نتيجة تكاتف مختلف مكونات شعوبها ودفاعهم بشراسة عن أرضهم رافضين أن يكونوا لاجئين يتم تحويلهم لورقة مقايضة كما تفعل تركيا الآن.
وساهمت هفرين خلف في تشكيل الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال شرق سوريا عام 2014 من خلال انخراطها في العمل المجتمعي والسياسي في المنطقة، حيث نشطت في مؤسسات الإدارة وقامت بدور فعّال، وعملت على تأسيس مؤسسة العلم والفكر الحر عام 2012، كما كانت من مؤسسي مكتب التدريب الاجتماعي والأكاديمي، بالإضافة إلى أنها شغلت منصب نائبة رئيس هيئة الطاقة في إقليم الجزيرة عام 2015، ثم شغلت منصب الرئاسة المشتركة لهيئة الطاقة 2016.
 
هفرين خلف... أمين عام لحزب سوريا المستقبل
تم العمل على تأسيس حزب سوريا المستقبل في 27 أذار/مارس عام 2018 في مدينة الرقة في ذكرى تحرير المدينة من مرتزقة داعش في عام 2017 على أيدي قوات سوريا الديمقراطية، وعينت وقتها هفرين خلف أمين عام للحزب.
ويهدف الحزب إلى توحيد السوريين بمختلف مكوناتهم القومية والدينية تحت مظلة حزب يؤمن بسوريا موحدة تعددية لا مركزية، وفي تلك الأثناء كانت هفرين خلف تؤمن بوحدة سوريا وبأن الحل في البلاد سياسي ولا يمكن أن يتم عبر القتال، فانضمت إليه بتشجيع من والدتها.
بقيت هفرين تعمل تحت راية حزب سوريا المستقبل دون كلل أو ملل، هادفة إلى توحيد التراب السوري ولملمة الشتات السوري بالإضافة إلى عودة المهجرين، كما كان لها دور كبير في إدارة مكاتب الحزب في مختلف مناطق شمال وشرق سوريا.
 
هفرين خلف وملاحقتها من قبل الاستخبارات التركية
لم تكن عملية الاغتيال غريبة عن ذهنية الدولة التركية فقد استخدمت أدواتها قبل ذلك لملاحقة سياسيين مناوئين لها وكان من بينهم هفرين خلف، فبعد تحرير مدينة الرقة والإعلان عن تأسيس حزب سوريا المستقبل فيها، بدأت تركيا بتصفية القياديين الكرد المعارضين لآرائها عن طريق خلاياها النائمة في المدينة بأمر من استخباراتها، وعليه تعرّضت هفرين للملاحقة من قبل الاستخبارات التركية أكثر من ستة أشهر قبل استشهادها بحسب ما صرحت به والدتها سعاد محمد، الأمر الذي حدث مع القيادي عمر علوش والذي فقد حياته إثر اغتياله من قبل مجهولين في الخامس عشر من آذار/مارس 2018 في مدينة كري سبي/تل أبيض بريف مدينة الرقة، حيث كان يشغل منصب مسؤول العلاقات العامة في مجلس الرقة المدني، إلى جانب اغتيال العديد من القياديين الآخرين في المدينة.
 
المنظمات النسوية تطلق حملات باسم هفرين
اعتبرت جريمة قتل هفرين خلف البشعة من أبشع جرائم العنف بحق النساء تعرضت للتنكيل قبل موتها ثم مُثل بجثتها، وتخليداً لذكراها وبمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2019 أطلقت المنظمات والمؤسسات النسوية في شمال وشرق سوريا حملة تحت شعار "الاحتلال عنف... بمقاومة هفرين سنحطم الاحتلال والفاشية" تضمنت فعاليات استمرت حتى العاشر من كانون الأول/ديسمبر من ذات العام، وقد ختمت الفعاليات ببيان لمنظمة سارة المناهضة للعنف ضد العنف حول هفرين خلف.
وتحت شعار "دحر الاحتلال... النضال من أجل السلام" نظم حزب سوريا المستقبل عدة فعاليات إحياءً لذكرى استشهادها الأولى، في ظل استمرار المطالبات بإجراء التحقيقات اللازمة حول اغتيال هفرين خلف ومعاقبة المجرمين.