القضاء اللبناني أمام أول اختبار.. وهذه ملاحظات "كفى" على قانون التحرش

كارولين بزي
بيروت ـ أقر مجلس النواب اللبناني قانون تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه في كانون الأول/ديسمبر 2020، على الرغم من تأخر إقراره إلا أنه اعتراف بجرم التحرش الذي يعاقب عليه القانون. ويتألف قانون "تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه" من سبعة مواد.
 
"فوجئنا بالمزج بين مفاهيم التحرش والاعتداء والاغتصاب"
عن قانون التحرش الجنسي في لبنان تتحدث المحامية في جمعية "كفى عنف واستغلال" ليلى عواضة لوكالتنا، وتفند القانون بايجابياته وسلبياته، وتقول "شاركنا بحملة MeToo عند انطلاقتها وطلبنا حينها من كل فتاة تعرضت للتحرش أن تكتب قصتها ولو باسم وهمي، لنرصد نسبة التحرش في مجتمعنا ومدى استعداد الفتيات للحديث عن هذه الظاهرة. فوجئنا حينها بسوء فهم معنى التحرش لدى العديد من الفتيات، ووجدنا أن هناك خلط للمفاهيم بين "التحرش، الاعتداء الجنسي والاغتصاب"، وهذه ثلاث مصطلحات مختلفة وجميع هذه المصطلحات تأتي في خانة الاعتداء الجنسي ولكن ضمن مراحل".
وتعرّف ليلى عواضة بأن "التحرش هو الكلمة، الإيحاء والصورة، الحركة والايماء الذي يوحي بأن هناك رغبة جنسية أو دعوة لمنفعة جنسية من الضحية، ولكن من دون أن يصل المتحرش إلى مرحلة اللمس. لذلك أطلقنا منذ فترة ثلاثة مقاطع فيديو توضح المفاهيم الثلاثة، للتمييز بينهم. وما أن يكون هناك لمس أي أن ذلك تحوّل لاعتداء ولم يعد يقتصر على مرحلة التحرش".
قبل إقرار قانون يجرّم التحرش، كان المحامون يستندون إلى القانون العام، توضح ليلى عواضة ذلك "المشكلة الأساسية كانت في القوانين، إذ ان قانون العقوبات لم يعرّف الجرم، وقد عرّف الاغتصاب بأنه "من أكره غيره على الجماع" ولم يكن واضحاً، وعرّف "الاعتداء" بأنه من أقدم على عمل منافي للحشمة، وبالتالي المصطلح في القانون هو اجتماعي أخلاقي لا حقوقي، وهو ما يجب أن تتجنبه القوانين ويكون التعريف واضح لا فضفاض".
 
"الهدف من القانون اعتراف الدولة بأن التحرش جريمة"
وتضيف "كنا نلجأ لقانون العقوبات وتحديداً لجرائم تهديد سلامة الضحية أو الإهانة والقدح والذم، لوجود قانون يجرّم هذه الأفعال". 
وتتحدث عن إقرار القانون وتقول "على الرغم من أن الخطوة متأخرة ولكنها إيجابية، بأن يوجد قانون يعرّف التحرش ويجرّمه"، وتلفت إلى أن "ما دفع إلى تأخير إقرار القانون، هو حجة كيفية إثبات الجرم"، وتتابع "الهدف من القانون هو الاعتراف من قبل الدولة بأن هذا التصرف جريمة، وعندما يتم تصنيف التحرش بجريمة أي أن ذلك يشكّل رادعاً لأي متحرش. ثانياً: لا يمكننا أن نثبت الجريمة أو الفعل في كل الجرائم، مثلاً أحياناً يتعرض شخص للسرقة ويتقدم بشكوى ولكنه لا يستطيع أن يثبت فعل السرقة". 
وتوضح "يسألون كيف ستثبت الضحية فعل التحرش"، وتجيب "يوجد قضاء وتحقيق وقانون، ومثلما يتم إثبات أي جريمة تحصل، لا يمكننا أن نضيع فرصة حماية النساء لأنفسهن لأننا نفكر بكيف ستثبت فعل التحرش".
 
"هذه المصطلحات فضفاضة ويمكن أن تفيد المرتكب"
وعرّف قانون التحرش اللبناني التحرش بأنه "أي سلوك سيء متكرر، خارج عن المألوف وغير مرغوب فيه من الضحية، وذي مدلول جنسي يشكل انتهاكاً للجسد أو الخصوصية أو المشاعر. وقد يتم عبر أقوال وأفعال ووسائل إلكترونية". وتشير إلى أن القانون يظهر بأنه توقف عند الأقوال والأفعال التي هي عبارة عن ايحاءات واشارات بعيداً عن الملامسة. وتتابع "لكننا نتحفظ على عبارة سلوك سيء، لأننا لازلنا في الاطار الأخلاقي والفضفاض"، وتسأل "ما هو السلوك السيء؟ السلوك السيء يختلف بين شخص وآخر، فهذه المصطلحات اجتماعية وعلى القانون أن يوصف الفعل بوضوح". 
وتتابع "الثغرة الثانية هي صفة التكرار أي اشترط أن يتكرر فعل التحرش، وخارج عن المألوف! ما معنى خارج عن المألوف؟ أي أن فعل لم نعتد عليه". وتسأل "الخروج عن المألوف بالنسبة لمن؟ للقاضي أو الضحية أو المجتمع؟ هذه المصطلحات فضفاضة ويمكن أن تفيد المرتكب".
 
"النيابة العامة تتحرك من دون شكوى الضحية في حالات استثنائية"
يُسقط القانون صفة التكرار عن بعض الأفعال ويجرمها، في حال "كلّ فعل أو مسعى، لو كان غير متكرر، يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي أو العنصري ويهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل". وتوضح بأن "التحرش بالعمل ينطبق على هذه الفقرة من القانون". 
وتضيف "الملفت في هذا القانون وهو ما لم يتم إقراره سابقاً حتى بقانون العنف الأسري، بأن النيابة العامة تتحرك في حالات استثنائية من دون أن تتقدم الضحية بشكوى، وهذه الحالات هي "إذا كانت الضحية من ذوي الاحتياجات الخاصة، إذا وقع الجرم على قاصر، إذا ارتكب الجرم شخصان أو أكثر، اذا استخدم المتحرش كما ذكرنا سابقاً الضغط المادي والمعنوي وهذا يحصل غالباً في الاطار الوظيفي.. إذا ارتكب الجرم من لديه سلطة مادية أو وظيفية بشكل مباشر، أعتقد أننا نلحظ تدرجاً في التعاطي مع جرم التحرش".  
 
"القضاء أمام الاختبار الأول" 
في الآونة الأخيرة وقعت جريمة تحرش في لبنان وظهرت إلى العلن لأن المرتكب شخصية عامة وتم الكشف عن ارتكابه فعل التحرش من قبل عدد من الفتيات على مواقع التواصل الاجتماعي، تعلق على هذه القضية وتقول "في هذه القضية تحركت النيابة العامة من دون ادّعاء الضحايا.. وهي أول قضية بعد إقرار القانون يتم تسليط الضوء عليها، ونحن بانتظار كيفية تعاطي القضاء معها، ففي السابق كانت الحجة بغياب القانون ولكن اليوم هناك قانون نستند إليه، كما أن لدى القانون استثناء وهذا الاستثناء ينطبق على هذه الحالة إذ أن كل الضحايا ذكروا بأنه قام باستدراجهن بالاطار المهني والوظيفي".
وعن خطوة كشف الفتيات عن تعرضهن للتحرش ولو على مواقع التواصل الاجتماعي، تعلق قائلةً "التعبير من خلف الشاشة أسهل من تقديم الشكوى مباشرةً، وساهم الدعم على مواقع التواصل الاجتماعي بتحويل بعض القضايا إلى قضية رأي عام. أعتقد أن الوعي في قضايا العنف الأسري أو التحرش يُحسب للمجتمع المدني، لأنهم استطاعوا أن يحولوا هذه القضايا إلى قضايا رأي عام. وكذلك جهود الناشطات اللواتي شاركن بحملة فضح المتحرشين وغيرها من التحركات، كل هذه العوامل شكلّت وعياً عند المجتمع فيما يتعلق بموضوع التحرش، كما ساهمت الحملات والتحركات بإقرار القانون".
 
"كنا نفضل تضمين القانون آلية حماية"
لدى جمعية "كفى" ملاحظات أخرى على القانون، توضح ليلى عواضة "ملاحظاتنا على القانون بأنه انتقل مباشرةً إلى العقوبة، كنا نفضّل بأن يكون هناك خيارات ويتضمن آلية حماية للضحية، لا أن يتم معاقبة المتحرش مباشرةً بعد تقديم الشكوى وثبوت الجرم، مثلاً إذا كانت جريمة التحرش ضمن الأفعال والأقوال من المنطق أن يكون مسار العقوبة متدرج أيضاً، مثلاً أن يتم الأخذ بقرار الحماية، مثل قانون العنف الاسري، إذ تستطيع المرأة بألا تقاضي المعنف جزائياً وتكتفي بطلب ابعاد المعنف عنها وعدم اعتراض طريقها، أي أن تتخذ إجراءات تدريجية وفقاً لمستوى التحرش، إذ ليس لكل فعل تحرش النتائج والأضرار نفسها". 
وتكشف عن أن جمعية "كفى" أنهت صياغة قانون شامل للعنف ضد المرأة ويتضمن آليات حماية للضحايا من كل أشكال العنف، كما يعرّف مشروع القانون التحرش والاعتداء والاغتصاب، ويذكر كل المراحل بالتفصيل".
 
"هذه العقوبات التي نص عليها قانون التحرش"
ويعاقب القانون كل من أقدم على جريمة التحرش الجنسي بالحبس من شهر إلى سنة، وبغرامة تتراوح بين ثلاثة وعشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور أو بإحدى هاتين العقوبتين. 
ويعاقب من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة مالية تقدر عشرة أضعاف إلى عشرين ضعف الحد الأدنى للأجور، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا كانت جريمة التحرش حاصلة في إطار التبعية وعلاقة العمل، أما في حال كانت الضحية قاصر أو من ذوي الاحتياجات الخاصة أو شخص لا يستطيع الدفاع عن نفسه بسبب وضعه الصحي أو الجسدي، فإن العقوبة تتراوح بين سنتين إلى أربع سنوات وتصل الغرامة إلى 50 ضعف الحد الأدنى للأجور. 
تؤكد ليلى عواضة بأن العقوبة مهمة ورادعة، وتضيف "يعتبر البعض أن القانون إيجابي وصارم، والبعض الآخر يرى بأن العقوبة لا تتناسب مع الجرم بما أننا نتحدث عن أقوال وأفعال.. لكن كجمعية "كفى" كنا نفضل أن ينص القانون على آلية حماية للضحايا".
وتشير ليلى عواضة إلى أن الشكوى تتحرك من دون دعوى في حال كان التحرش في إطار التبعية الوظيفية، كما أن القانون يحمي الشخص الذي أقدم على التبليغ في حال لم يكن الضحية وتحديداً في إطار التبعية الوظيفية. 
نص القانون على إنشاء صندوق لدعم ضحايا التحرش، وتعليقاً على هذا القرار تؤكد بأنه لطالما بقيت الصناديق الداعمة للضحايا حبراً على ورق، لا تتوقع بأن يختلف الموضوع بحالة صندوق دعم ضحايا التحرش الجنسي.