محاسن مرسل: الاقتصاد اللبناني يعيش مرحلة السقوط الحر والمستقبل الضبابي

كارولين بزي
بيروت ـ يعيش اللبنانيون مرحلة اقتصادية صعبة بدأت في صيف 2019، تخللها انهيار بقيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار وترافقت مع ارتفاع جنوني بأسعار السلع الاستهلاكية ما زاد نسبة الفقر وتراجعت معه القدرة الشرائية.
 
"الاقتصاد اللبناني كان مدعوماً بطريقة غير مباشرة"
المرحلة الاقتصادية الحالية في لبنان تسمى في علم الاقتصاد "السقوط الحر"، وفق ما تشير إليه الصحفية اللبنانية المتخصصة في الشأن الاقتصادي محاسن مرسل، لوكالتنا وكالة أنباء المرأة "في الأزمات الاقتصادية هناك نوعان من السقوط، السقوط التدريجي والسقوط الحر ونحن في مرحلة "الحر"، ولغاية اليوم لا يوجد أي اجراءات تخفف وتيرة هذا السقوط لنصل إلى نقطة نعرف فيها أن كنا سنصعد من جديد أو سنستقر لفترة في القعر ونصعد مجدداً أو أن الاقتصاد اللبناني سيبقى في القعر طويلاً". 
وتوضح محاسن مرسل إلى تاريخ دعم السلع في لبنان "كان اقتصادنا مدعوماً، إذ كان سعر صرف الدولار 1500 ليرة وهو سعر غير منطقي لأن اقتصادنا غير منتج وغير نفطي وحتى حجم الاقتصاد لا يسمح بأن يكون سعر الصرف 1500 ليرة، إذ أن هذا الرقم وهمي. الدولار الذي تم ضخه على مدى سنوات في السوق وكان يموّل الحركة الاقتصادية هو من دولار المودعين، نحن بلد يستورد بين 75 و80 بالمئة من حاجياته، واقتصادنا مدولر بنسبة 70 %، أي كنا مدعمون بطريقة غير مباشرة". 
وتلفت إلى المرحلة التي بدأ فيها الاقتصاد اللبناني بالانهيار "في تموز/يوليو وآب/أغسطس من عام 2019 بدأ سعر الدولار يتحرك، وحينها قيل بأن السبب يعود إلى رفض المصارف إعطاء شركات استيراد المحروقات الدولار ما أجبرهم للجوء إلى الصرافين وبدأ حينها اللعب بسعر الصرف".  
 
"بعد ارتفاع أسعار السلع لجأ مصرف لبنان للدعم"
تقول لطالما كان هامش سعر صرف الدولار في المصارف أعلى من هامش الصرافين، منعاً للمضاربات، لكن هذا الأمر تغير في صيف 2019 وشهدنا تحركاً لسعر صرف الدولار وارتفعت معه أسعار السلع، إلى أن قرر حاكم مصرف لبنان في أيلول/سبتمبر أن يدعم المواد الأساسية وهي الطحين والقمح والأدوية والمحروقات ثم بعدها بستة أشهر قرر أن يدعم المواد الطبية بنسبة 85 %. 
وتضيف محاسن مرسل "شهدنا لاحقاً تعاميم دعم مختلفة كانت تصدر عن المصرف المركزي علماً أنه ليس الجهة المخولة بهذا الأمر"، وتعتبر أن "سياسة الدعم هي استكمالاً لسياسة السرقة الممنهجة في لبنان، إذ من غير المنطق دعم شركات معينة تستورد مواداً من الخارج وتبيعها في السوق، فذلك استنزاف لأموال الناس تحت حجة دعم الطبقات الفقيرة والمتوسطة والبقاء على القدرة الشرائية".
وتؤكد بأن "كل الأموال المستخدمة في الدعم هي أموال المودعين، علماً أنه لا يحق لمصرف لبنان أن يستخدم أموال الناس، كما أن الائتمان أساء منذ البداية لأموال الناس ومارس مع المصارف نوعاً من الخديعة والمكر، ولكن للأسف لا يوجد تشريعات تحمي أموال الناس، ومع غياب القوانين لا يوجد ما يدينهم".
 
"ارتفعت حدة الفقر وتراجعت القدرة الشرائية"
ارتفع سعر ربطة الخبز من 1500 ليرة لبنانية إلى 2500 ليرة، وهناك ارتفاع أسبوعي لأسعار المحروقات، تقول محاسن مرسل "بأن هذه الطريقة هي مرحلة تأهيل نفسي، فهم يرفعون سعر المحروقات بحجة أن المحروقات ارتفعت عالمياً علماً أن الارتفاع لم يصل إلى الحد الجنوني الذي نشهده في لبنان. كما في الفترة التي استقر فيها سعر المحروقات بل وتراجع عالمياً قاموا في لبنان بتثبيته"، وتتابع "هذه الطريقة تُسمى التأهيل النفسي لرفع الدعم نهائياً وفي الوقت الحالي لا يوجد أي جهة تريد أن تحمل كرة النار بيدها أي أن تتحمل مسؤولية رفع الدعم ونتائجه". 
وتوضح بأنه "في خضم هذه الأزمة التي يعيشها اللبنانيون، تآكلت القدرة الشرائية لدى أغلب العائلات اللبنانية بنسبة تزيد عن 80%، كما أنه مع تغير سعر الصرف تآكلت الأجور وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية التي انعكست على زيادة نسبة الفقر، بخطيه الأعلى والأدنى"، وتتابع "بلغ خط الفقر الأعلى وفق أرقام منظمة الاسكوا لغاية أيار/مايو الماضي 55 %، أي أن هذه الأرقام لم تلحظ الاقفالين الثالث والرابع للبلاد بسبب ارتفاع عدد الاصابات بوباء كورونا وكذلك النتائج التي خلّفها انفجار مرفأ بيروت. أما خط الفقر الأدنى أي الفقر المدقع يصل إلى نحو 23% أي تقريباً نحو مليون و100 ألف لبناني، علماً أنه لا يوجد تعداد دقيق للسكان".
من بين الحلول التي تم طرحها لمساعدة العائلات الفقيرة في حال تم رفع الدعم، هي البطاقات التموينية والتمويلية، وتبين بأن "الحديث عن هذه البطاقة هو أحد أدوات السلطة لتخدير الشعب"، وتوضح "البطاقة التموينية هي عبارة عن بطاقة تضم سلعاً غذائية معينة يتم اختيارها وفق دراسة لمنظمة الصحة العالمية التي توصي بالسلع الأساسية للفرد، ويتم الحصول على هذه السلع كل آخر شهر. فيما يتعلق بالبطاقة التمويلية فيها مبلغ من المال يستطيع المواطن أن ينفقه كما يريد".
 
"مشاركة المرأة خجولة في الاقتصاد اللبناني"
وتضيف "هناك مؤشرات عالمية تُعتمد لتحديد من هم الفقراء لتوزيع هذه البطاقات لهم، ووفق وزارة الشؤون الاجتماعية فإن البطاقة موجهة للناس الذين يعانون من فقر مدقع، لذلك نحن بانتظار قرض البنك الدولي لتوزيع هذه الأموال على الطبقات الفقيرة علماً أنه سيتم دفعها بالليرة اللبنانية وبأقل من سعر صرف الدولار المتداول حالياً، ويّدعون بأن هذه الأموال ليست فقط موجهة لدعم الفقراء بل أيضاً لدعم الاقتصاد المنهار وهذا غير حقيقي. كما كانت قد استفادت نحو 50 ألف عائلة من بطاقات تموينية وزعها الاتحاد الأوروبي في فترة سابقة".
وتلفت إلى بعض المؤشرات التي يتم تصنيف الأسر على أنها فقيرة، "هناك خمس مؤشرات يمكن أن يتم اعتمادها واحتمال أن تتغير لاحقاً، من هذه المؤشرات، الأسر التي تضم عدداً من أفرادها دون 18 سنة، إذا كانت المرأة هي المعيل، وجود مسنين فوق الـ 75 عام، إذا كان أحد أفراد العائلة يعاني من أمراض مزمنة، أو إذا كان يوجد شخص لديه إعاقة ضمن أفراد العائلة، لكن اعتماد هذه المؤشرات صعب في لبنان، ولغاية الآن لم يتم اعتماد البطاقة التموينية أو التمويلية". 
المرأة من بين المتضررين من الوضع الاقتصادي الصعب، تقول محاسن مرسل "المرأة تعاني من الاجحاف بوجوه وأشكال مختلفة من العنف الجسدي إلى التحرش الجنسي وكل أشكال القهر والعذاب، كما أن مشاركتها بالاقتصاد خجولة، فمنظمة العمل الدولية أشارت إلى أن مشاركة المرأة في القطاع الاقتصادي بلغت 29% لكننا نفتقد للأرقام الدقيقة في لبنان إذ لا يوجد شفافية".
وتختتم الصحفية اللبنانية المتخصصة في الشأن الاقتصادي محاسن مرسل حديثها بالقول "تتعرض الكثير من النساء للفصل من العمل خلال إجازة الأمومة ومنهن من تعمل بنصف وربع راتب وأيضاً هناك من تمت محاربتهن، ولكن أيضاً ثمة نساء اجتهدن على أنفسهن واغتنمن الفرص. لا شك أن المرأة متضررة كالرجل في سوق العمل وربما أكثر، فالمرأة في الاقتصاد المستتر تعمل ولا تستفيد من تقديمات العمل مثل الضمان الاجتماعي واجازة الأمومة وغيرها.. مثلاً نحن لا زلنا نتحدث حتى اليوم عن الكوتا النسائية، كما أن هناك ضغوط نفسية تتعرض لها المرأة في المنزل في ظل الأزمة وهي تعيش مزيداً من الاجحاف والقهر في هذا الوضع الذي لن يلتفت فيه إليها أحد".