'صاحبات المشروعات الصغرى غير المسجلة لم يتعمدن خلق اقتصاد ظل'

ابتسام اغفير
بنغازي ـ يتأثر اقتصاد البلدان بشكل إيجابي أو سلبي بانتشار المشروعات الصغرى والمتوسطة وريادة الأعمال، فقد ترتقي هذه المشروعات باقتصاد البلد، أو ربما تربكه أثناء عملية التطور خاصةً إذا كان ضمن اقتصاد الظل.
ليبيا إحدى الدول التي انتشرت بها المشروعات الصغرى النسائية بشكل كبير خاصة خلال السنوات الأربع الماضية مع شح السيولة والحرب والنزاع السياسي القائم، فهل يا ترى هذه المشروعات تسير وفق خطة محددة أم تقع ضمن مشروعات اقتصاد الظل؟
حاولنا من خلال هذا التقرير معرفة الجدوى الاقتصادية وتأثير هذه المشروعات على أصحابها والبلاد، فالتقينا بالمؤسسة والشريكة في مركز كهف الملح "أوبال" بمدينة بنغازي، إيمان سالم بوقعيقيص.
تقول إيمان بوقعيقيص عن مشروع كهف الملح "أوبال"، أنه أول كهف للعلاج بالملح الجاف في ليبيا، "نحن خامس دولة عربية تفتح مراكز العلاج بالملح، إذ أن فكرة العلاج تقوم على الاستنشاق فبمجرد الدخول للكهف تبدأ مرحلة العلاج، إضافة إلى الاستجمام، والراحة من ضغوطات الحياة".
وأشارت إلى أن المركز يعالج العديد من الأمراض ويجعل نسبة الشفاء منها مرتفعة، مشددة على أن المريض خلال فترة علاجه عن طريق الملح ألا يترك العلاج الذي وصفه له الطبيب لأن الكهف الملحي عبارة عن علاج مكمل، مشيرةً إلى أن بعض الدول توجهت إلى هذه الكهوف خاصةً في فترة كورونا، لأنه يساعد الرئتين على التعقيم ويجدد الأوكسجين ويصفي الرئتين.
وعن فكرة إنشاء المشروع تقول إيمان بوقعيقيص "خلال فترة كورونا وحظر السفر بين دول العالم، لم أجد في ليبيا أماكن للاستجمام، وتساءلت لماذا لا أقوم بإنشاء مكان للاستجمام هنا، وفكرت في كهف الملح فقد كنت أزوره عندما كنت أسافر، وقمنا بعمل تحليل لعينة من ملح منطقة كركورة في ليبيا، فوجدت أنه يصلح ويتسم بالجودة في العمل، قمت بداية باستيراد ملح الهملايا، وتحصلنا على استشارات مدفوعة من عدة دول من أجل بناء الكهوف حتى لا يتفاعل الملح مع الجدران، وفعلاً نجح الأمر وانطلقنا في مشروعنا".
 
"اعتبر نفسي حققت 99% من هدفي"
وعن مدى رضاها عن المردود الاقتصادي من عملها تقول "خلال عام فقط من افتتاح المقر حققنا نتائج جيدة، فعندما أطلقته أنا وشريكتي أحببنا أن يتميز اسم ليبيا بوجود كهف ملحي، واعتبر نفسي حققت 99% من هدفي بعد قول إنه يوجد في ليبيا علاج بالملح الجاف"، وتضيف "لم أكن أتوقع أن تكون الاستجابة سريعة، على الرغم من أنه لا يوجد فائض في الأرباح، والمردود المادي ليس كبير أي أن المشروع "يصرف على نفسه"، فقد كان هدفي الأول هو نشر الفكرة ومن ثم تحقيق الأرباح وأظن أنني أسير في الطريق الصحيح لتحقيق النجاح الكامل".
من جانبها تقول المؤسسة والشريكة بمشروع كهف الملح زينب الورفلي، "لولا الدعم المعنوي الذي تلقيناه من البعض في بداية انطلاق المشروع لما وصلنا إلى هنا، فقد بدأنا والإمكانيات المادية ضعيفة جداً، لقد بدأنا من الصفر فتأسيس شيء غير موجود في ليبيا من قبل من أصعب الأشياء التي يمكن أن تواجه امرأة تود الخوض في هذا العمل".
وتتابع "بالإصرار والعزيمة استطعنا أن نفتتح مشروعنا، رغم الصعوبات التي واجهتنا من عدم معرفة الناس ماذا يعني العلاج بالملح الجاف، فكان علينا العمل بجد من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، لتعريف روادها ما هو العلاج بالملح الجاف".
وعن إمكانية حصولهم على دعم مادي من الجهات الداعمة للمشروعات الصغرى تقول "لم نحصل على أي دعم، لقد ذهبنا إلى جهة أو أثنين ولكن وجدنا أن المبلغ ضعيف لا يغطي احتياجاتنا بالإضافة إلى أنه سيخلق لنا مديونية يجب إعادتها خلال عامين، وهذا صعب لأننا مازلنا في البداية، وكان من الصعب أن ندخل معنا شريك لم يفهم الفكرة ويصبح غرضه الربح المادي البحت، وحالياً بعد سنة من الانطلاق استطعنا أن نغطي التكاليف".
وحول دراسة الجدوى التي قامتا بها من أجل انطلاق المشروع تقول "اعتمدنا على أنفسنا في وضع الدراسة وقمنا باستشارات بسيطة هنا وهناك فأخبرونا ألا ننتظر مردود مادي قبل عام من افتتاح المشروع حيث يبدأ الانتفاع منه بعد مرور عامان، إضافة إلى المغامرة التي قمنا بها فقد افتتحنا المشروع في فترة كورونا، وعلى الرغم من أن كهف الملح يعتبر مناخ قلوي وغير ناقل للأمراض إلا الناس لازالت لم تستوعب هذه الفكرة التي نحاول قدر الإمكان توضيحها لهم".
وتتمنى زينب الورفلي "أن تهتم الدولة بالمشروعات الصغرى وتقدم لها تسهيلات القروض والدعم المادي، ويكون هناك توزان في المراقبة عليها وإمكانية إرجاع المبلغ".
 
المشروعات الصغرى محور من محاور الاقتصاد
فيما تقول مدرب ومستشار مشروعات صغرى في حاضنة جامعة بنغازي الأستاذة هند البشاري عن أهمية المشروعات الصغرى للاقتصاد المحلي "المشروعات الصغرى والمتوسطة وريادة الأعمال هي محور من محاور الاقتصاد العالمي وغيرت من الشكل الاقتصادي لبعض الدول مثل ماليزيا وإندونيسيا، فقد حدثت في هذه البلدان نقلة كبيرة بسبب اهتمامها بهذه المشروعات وتحولوا إلى دول مؤثرة في الاقتصاد العالمي ودول صناعية وتجارية كبرى، ومن الدول العربية التي اهتمت بهذه المشاريع الأردن، تونس والتجربة المصرية التي لديها إنجاز كبير، وبشكل عام هي عصب مؤثر في الاقتصاد الليبي خاصةً في العشر سنوات الأخيرة".
وعن اهتمام الدولة الليبية بهذه المشروعات تقول هند البشاري "هناك اهتمام كبير من الدولة الليبية بالمشروعات الصغرى والمتوسطة، ولكن بالرغم من الاهتمام ودخول منظمات دولية لدعم هذا القطاع، للأسف القطاع لم يحقق النتائج المرجوة منه نتيجة لعدد من المشاكل والتحديات، منها وجود مشاكل في النظام الأساسي من ناحية البنية التحتية، الكهرباء، والانترنت، التي تعيق نهضة هذا القطاع، وعلى الرغم من وجود حاضنات، ومراكز الأعمال التي انطلقت في نهاية 2009 إلا أن مخرجاتها لا ترقى لسقف التوقعات".
 
جزء كبير من المشروعات الصغرى تقع تحت مظلة اقتصاد الظل
وتشير هند البشاري إلى أن "عدم اهتمام النساء بتسجيل مشروعاتهن الصغيرة، فمثلاً نجد امرأة تعمل من بيتها، وليست مسجلة بشكل رسمي، وبالتالي يوجد جزء كبير من المشروعات الصغرى تقع تحت مظلة اقتصاد الظل، لأنها غير مسجلة في الدولة ولا تدفع الضرائب والدولة ليس لديها معلومة حولها، وهي تشكل على المدى البعيد مشكلة في السوق المحلي، وبذلك نحن نشجع النساء على تسجيل مشاريعهن حتى يتحصلن على الدعم فيما لو افتتحت الدولة برنامجاً للمشروعات الصغرى".
وتؤكد على أن النساء أصبح لديهن اهتمام كبير بالمشروعات الصغرى، وبدأت تخرج بعض منهن من طابع الأكل والتجميل إلى الصناعة والابتكار في مجالات أخرى، وعلى الرغم من انتشار المشروعات الصغرى بشكل كبير في ليبيا في فترة ما بعد الحرب بسبب فقدان المعيل أو وجدت نفسها مطلقة ولديها أطفال توجهت للعمل من داخل بيتها، إلا أنه لا يمكن حصر هذه المشروعات ومعرفة نسبة انتشارها في السوق لأنها غير مسجلة في الدولة.
 
"لها انعكاس سيء على الاقتصاد المحلي فيما بعد"
وحول عشوائية هذه المشاريع وتأثيرها سلباً في الاقتصاد المحلي تقول "أود أن أورد ملاحظة هنا بأن النساء لم يتعمدن عدم تسجيل مشاريعهن ولكن قلة الوعي بأهمية التسجيل هي ما جعلتهن لا يقمن بذلك، إضافة إلى أن معظم المشاريع كما قلت تقام من البيوت نظراً للحاجة لدخل مادي لنساء وجدن أنفسهن دون معيل، ولكن نحن بحاجة للتوعية بأهمية التسجيل لأنه يوفر لها مناخ رسمي للعمل، والحصول على أي فرصة توفرها الدولة لتمويل المشروعات الصغرى، وبالتالي عدم التسجيل والعشوائية سيكون له انعكاس سيء على الاقتصاد المحلي فيما بعد".
وتشير هند البشاري إلى ضرورة اهتمام الدولة والجهات ذات الاختصاص بالتوعية والاهتمام بتسجيل المشروعات حتى يتم تقديم الدعم الفني والمادي لهم خاصة من خلال حاضنات الأعمال ومراكز الاستشارات والتدريب. 
وتؤكد على أن هناك مشروعات نسائية صغرى خاصة المتنامية بدأت تتجه وتخطو خطوات صحيحة في العمل من التسجيل، والتطور في سوق العمل فهن لم يعد يكتفين بمحدودية علمهن وإنما يسعين لتطويره إلى الأفضل.