غزة تعاني من جديد زيادة أسعار السلع الأساسية بفعل الحصار

رفيف اسليم
غزة ـ خلف الحصار الذي يشهده قطاع غزة أوضاع معيشية صعبة، تتجلى بارتفاع أسعار السلع الغذائية والمواد الأساسية، واحتكارها من قبل التجار في ظل غياب الرقابة، مما أجبر كثير من ربات المنازل على التخلي عن الكثير من احتياجات المنزل الأساسية.
 
 
لم تكن تتوقع أميمة حلس ذات الثلاثين عاماً أن المرتب الشهري والذي قدره (150) دولار لن يكفي لتغطية نفقات عائلتها، التي تتجلى بالسلع الأساسية كالزيت والسكر والمعلبات، فالحصار الإسرائيلي المطبق على قطاع غزة منذ أكثر من ثلاثة أشهر يهدف إلى منع إدخال السلع الغذائية إلى القطاع، وتسبب في زيادة أسعارها ونفاذ معظمها من الأسواق، كل ذلك ينبئ بكارثة إنسانية ستلحق الضرر بأكثر من مليوني إنسان. 
تؤكد أميمة حلس لوكالتنا أنه خلال تواجدها في البقالة أصيبت بالحيرة، فعن أي الحاجيات ستستغني؟ وهل تستطيع أن تشتري ما يحتاجه المنزل؟ أم ما طلبه أطفالها منها قبل خروجها لتفادي الوقوع في مشكلة كبيرة معهم، ملفتة أن الأطفال لا يعرفون تلك التعقيدات المتمثلة بالمعبر والإغلاق الذي يفرضه الإسرائيلي المتحكم بلقمة العيش التي يدفع سكان قطاع غزة ثمنها بالكامل، وربما أضعاف مضاعفة نتيجة الضرائب المفروضة.
وتكمل أنها دفعت مبلغ (50) دولار إضافي كي لا تقلص كمية المشتريات إلى النصف والتي لا تشمل الخضار والفواكه واللحوم بأنواعها، لكنها الأهم بالنسبة لأطفالها، وتتابع حديثها بالقول إنها فور عودتها إلى المنزل أقبل عليها أولادها كي يتفقدوا المشتريات، مع فرحة ارتسمت على وجه كل واحد منهم آملً بأن يحصل على مبتغاه، إلا أن وجهها المتجهم لا يزال يدل على أن هناك مشكلة ألا وهي كيفية إقناعهم بالعدول عن بعض احتياجاتهم خلال الشهر القادم في حال استمرار الحصار.
وتستنكر أميمة حلس احتكار التجار في قطاع غزة لأنواع كثيرة من البضائع، فقد رفض أحد العاملين بالبقالة بيعها إحدى المنتجات المستوردة بحجة أنها محجوزة لشخص آخر وسياتي لأخذها عما قريب، مكملة أن رفع أسعار المنتجات لما يقارب النصف لبعض المواد الغذائية المستوردة أجبرها على استبدالها بأخرى ذات جودة أقل "كالزيت النباتي"، لكنها لم تستطيع المخاطرة بتغيير نوعية حليب طفلها الرضيع البالغ من العمر سنة ونصف خوفاً من ظهور أثار جانبية تترافق مع تغيير نوع الحليب.
وتؤكد أنها ستخفض نفقات المنزل للشهر القادم كي تستطيع أن تغطي كافة احتياجات العائلة منها المصروف الشخصي والغذاء والعلاج وأمور أخرى تعيها ربة المنزل، مضيفة أنها ألغت الولائم العائلية واكتفت فقط بالزيارات، كما أنها كثفت من الوجبات ذات التكلفة المادية البسيطة كالبقوليات والمعلبات، بالرغم من رفض أطفالها لها واحتجاجهم لتغيرها بأخرى ذات تكلفة مادية أعلى بكثير.
أميمة حلس ليست وحدها من اتبعت تلك السياسة فهناك الآلاف من ربات البيوت في قطاع غزة اللواتي انتهجن تلك السياسية مع استمرار أزمة إغلاق المعبر التي وصلت شهرها الثالث على التوالي.
المحللة الاقتصادية إيمان الخضري ترى أن الحصار المستمر الذي فرضه "الاحتلال الإسرائيلي" على قطاع غزة منذ منتصف عام 2006، ساهم في عزل القطاع عن العالم وتدمير اقتصاده، لينتج الوضع الحالي والمتمثل بتضخم الأسعار وتدني الأجور، فمرتب الشخص الواحد أو نصيبه من الإجمالي العام لا يكفي لتغطية نفقات العائلة كاملة، وأن سياسة إغلاق المعابر ستؤدي إلى نفاذ البضائع بالتالي إحداث كارثة إنسانية جديدة بالقطاع.
وتكمل إيمان الخضري أن الإغلاق الحالي يتمثل في تعطيل معبر كرم أبو سالم، وهو آخر متنفس لسكان قطاع غزة والذي تمر منه المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية، ومواد الإنتاج الأساسية المستخدمة في القطاع الزراعي والصناعي، مما ألحق الضرر بكثير من المزارعين وأصحاب المصانع الذين يسعون لتوفير هذه المواد من البيئة المحلية، لكن محاولاتهم باءت بالفشل وبالتالي توقفت تلك القطاعات وتم تسريح عشرات العاملين فيها.
وتضيف أن عدم إدخال المواد الغذائية خلال الفترة الحالية ساهم في زيادة الطلب على المتوافر منها، ونظراً لطبيعة القطاع الاستهلاكية شجع التجار على رفع أسعار بعض المواد واحتكر بعضها الآخر، مطالبة بوجود جهات رقابية لفرض عقوبات على مستغلي الأزمات الإنسانية نظراً لأن البضائع قديمة ومتوفرة فلا داعي لزيادة أسعارها.
وتوضح أن استبدال معبر رفح البري بمعبر كرم أبو سالم أمر مرفوض من قبل الفلسطينيين، لأن الأول يصل بين قطاع غزة ومصر بينما الثاني يصل القطاع بالضفة، وتؤكد أن نقل البضائع والمواد الخام عن طريق مصر سيفقد غزة الرابط الوحيد الذي يصلها بالشق الأخر من الأراضي الفلسطينية مما يجعلها دولة مستقلة، وهذا نهج غير مقبول لأن غزة والضفة هما جزأين من فلسطين.
وتشير المحللة الاقتصادية إيمان الخضري في ختام حديثها إلى أن القطاعات التي نالت الضرر الأكبر هي مصانع الألبسة، نظراً لسياسة الادخار التي يتبعها المواطنون من خلال تخليهم عن الألبسة بهدف ادخار المال للاحتياجات الأساسية، منوهة إلى الأضرار التي لحقت بعمال تلك المصانع، حيث تم تسريح آلاف العاملين في مجال الخياطة وحياكة الألبسة وكذلك الباعة في المعارض، وأصبحت هذه الفئات تواجه الفقر وارتفاع الأسعار في آن واحد دون الحصول على أي مساعدة، والعيش على أمل أن تنتهي هذه المأساة قريباً.