بعد ارتفاع أسعاره... نساء إدلب يبدعنَّ بصناعة صابون الغار المنزلي

سهير الإدلبي
إدلب ـ مع ارتفاع أسعار المنظفات الجنوني في إدلب تلجأ عدد من النساء لصناعة أنواع من صابون الغار في منازلهنَّ بطرق تقليدية بسيطة وبجهود جماعية بين أفراد الأسرة الواحدة.   
بينما تهم سهيلة الطبال الستينية بتحريك القدر المعدني الكبير بعود خشبي بالتناوب مع زوجها وأبنائها تقول إن صناعة صابون الغار المنزلي من الصناعات القديمة في سوريا، وهي ورثت هذه الصناعة عن أمها وجدتها اللتين كانتا تصنعانه في المنزل وقل ما يشترينه من السوق. 
وعن طريقة صناعة الصابون المنزلي تضيف بأنه يوضع زيت الزيتون في وعاء كبير وبالتدريج على دفعات تتم إضافة الماء مع هيدروكسيد الصوديوم، ثم يضاف إليه زيت الغار ويحرك جيداً حتى يتماسك الخليط ويصب بعدها ضمن قوالب كبيرة تسمى المصبنة، وهنا يعمدون لتسهيل سطح الخليط لإعطائه سماكة واحدة، ثم يتم تقطيعه بالتساوي وتوضع ألواح الصابون بشكل هرمي لتجف بشكل جيد.
وتشتهر إدلب بأشجار الزيتون التي منحتها صفتها الخضراء ومن هذه الزراعة اشتقت صناعة صابون الغار الذي يتميز بجودته ورائحته الزكية وفوائده الصحية العالية.
بعض النساء اتخذنَّ من صناعة صابون الغار حرفة ومصدر رزق يساعدهنَّ على إعالة أسرهنَّ وأبنائهنَّ. إذ لم تتردد ليال العيان (٤٠) عاماً بخوض غمار التجربة بعد أن جلبت المعدات اللازمة والمواد الأولية لصناعة الصابون والبدء بطبخه وصناعته بنفسها بعدما عانته من غلاء أسعاره بالأسواق إذ تجاوز سعر الكيلو غرام منه ٣٥ ليرة تركية أي ما يعادل ١٧ ألف ليرة سورية، وتقول "سعر الصابون قبل الحرب كان مقبولاً، غير أنه اليوم بات غالٍ بشكل يفوق قدرتنا الشرائية نحن النازحون الفقراء".
تعلمت ليال العيان صناعة الصابون من والدة زوجها التي لطالما كانت تصنعه في المنزل سابقاً، فأخذت الفكرة عن طبخه دون أن تنفذها إلا أن أتى الوقت الذي دفعها لتنفيذ ما تعلمته بنفسها ودون مساعدة من أي أحد ونجحت في ذلك.
ونظراً لاستغراق صناعة الصابون مدة طبخ طويلة ممكن أن تستمر أياماً تستعين ليال العيان في طبخه بموقد للنار صنعته أمام خيمتها حيث تقيم في مخيمات سرمدا الحدودية وتستخدم لإشعال الموقد ما يتوفر لديها من أكياس نايلون، قمامة، نفايات، بقايا أحذية مهترئة وألبسة بالية، ولذا فهي لا تتكبد سوى عناء شراء المواد الأولية لتبدأ بصناعة الصابون الذي لم تعد تصنعه لاستخدامه كوسيلة لنظافة عائلتها وحسب وإنما أيضاً لبيعه لساكني المخيم وبأسعار مناسبة، مما جعل هذه الصناعة مصدر رزق لها، وبسبب حِرفيتها في صناعته زاد الطلب على منتجها. 
"كثيراً ما كان يجهدني التفكير بكيفية مساعدة زوجي في تأمين المصاريف اليومية التي باتت تثقل كاهله لكنني لم أهتدي لعمل ما وخاصة أنني لا أجيد أي مهنة كما أنني لا أمتلك شهادة، لتأتي خبرتي بصناعة الصابون وتنقذني وعائلتي من وضع معيشي صعب، وباتت مصدر رزقي الذي لا أنوي التخلي عنه".
وواجهت ليال العيان بعض الصعوبات في تأمين المواد الأولية اللازمة لصناعة الصابون ولكنها تغلبت على هذه الصعوبة من خلال الاستعانة بأحد العطارين الذي يؤمنها لها بشكل مستمر عن طريق تجار ووكلاء. 
من جهتها تعمد النازحة سميرة الحسون (٣٨) عاماً لشراء صابون الغار من النساء اللواتي يصنعنه في منازلهنَّ كونها تجده أفضل بكثير من الصابون الذي تشتريه من السوق باعتبار أن المواد المطبوخة فيه هي مواد طبيعية ومعروفة عكس الصابون التجاري الأقل جودة عادةً، وتقول "رائحة الغار الطبيعي ولون ألواح الصابون الخضراء تجذب من يشتريها، خاصة بعد أن عاينت فوائده العديدة للشعر، فهو يمنع التلف والضعف الشديد والتقصف وسقوط الشعر". 
ويرجع بعض المؤرخين تاريخ صناعة الصابون في إدلب لمئات السنين مستدلين على ذلك من خلال الكتابات التي دونها الرحالة الذين عاشوا في القرن العاشر الميلادي، وأول وصف لصناعة الصابون جاء على لسان شيخ الربوة شمس الدين الدمشقي فقال إنه يصنع في سوريا ويصدر إلى العديد من البلدان.
خبيرة التجميل صبا الصالح (٣٢) عاماً تحدثت عن فوائد صابون الغار المتعددة قائلة بأنه من أقدم أنواع الصابون، وتشتهر به كل من حلب وإدلب وتتم صناعته من مواد طبيعية بحتة وهي زيت الغار، زيت الزيتون، مادة صابونية، ماء، ولذا فهو مفيد للبشرة لخلوه من أي مواد كيميائية حيث يساعد على الوقاية من المشكلات الجلدية المختلفة كالتهاب الجلد والأكزيما وحب الشباب، ويرطب البشرة ويمنع جفافها لاحتوائه على نسبة عالية من مضادات الأكسدة.
وتوضح فوائده للشعر أيضاً بأنه يساعد في التخلص من قشرة الرأس المزعجة ويعمل على تقوية بصيلات الشعر، كما يساعد على تأخير ظهور الشيب ويعطي الشعر اللمعان والملمس الناعم ويساعد على منع ظهور بعض الأمراض الجلدية التي تصيب فروة الرأس ومن أهمها الثعلبة والصدف.
وتنصح صبا الصالح باستخدامه كبديل عن الأنواع الأخرى من المستحضرات ومواد التنظيف التي تخص البشرة والشعر لفوائده الكبيرة، كما تنصح بصناعته المنزلية لسهولة تصنيعه وإضافة مواد وزيوت طبيعية إليه ما يشكل فوائد صحية ونفسية أيضاً.
ومع دخول الحرب السورية عامها الحادي عشر ماتزال نساء إدلب يثبتنَّ قدرتهنَّ على التأقلم مع ظروف الحرب من خلال إبداعهنَّ بتأمين احتياجاتهنَّ المتعددة بعزيمة وجهود ذاتية.