الفقر والغلاء... يدفع معيلات في إدلب لتعلم المهن المتنوعة

سهير الإدلبي
إدلب ـ رغم ما مرت به المرأة السورية من ظروف قاسية يسودها الحرب والنزوح والفقر فهي لم تقف مكتوفة الأيدي أمام واقعها المزري بل حاولت النهوض والعمل متحدية كل الظروف، وشكلت مراكز التدريب النسائية في الشمال السوري، الحل الأجدى بالنسبة للكثيرات ممن وضعتهن الحرب موضع المعيل بعد فقدان أزواجهن بالقتل أو الاعتقال أو التهجير.
استطاعت هالة زعتور (35) عاماً أن تبني مشروعها أخيراً بعد أن تعلمت مهنة الكوافيرة (تصفيف الشعر)، وبدأت بالعمل والاعتماد على ذاتها في الإنفاق على نفسها وأبنائها الخمسة بعد وفاة زوجها.
تقول هالة زعتور أنها واجهت ظروفاً صعبة بعد أن فقدت زوجها أثناء القصف المتكرر على مدينتها كفرنبل أواخر عام ٢٠١٦، وهي منذ ذلك الحين في تخبط ولا تعلم كيف يمكنها الاعتماد على نفسها بينما لا تملك أي شهادة أو مهنة تؤهلانها للعمل، فاضطرت لصرف كل مدخراتها وبيع كل ممتلكاتها ووصلت لنقطة الصفر التي لطالما خشيت أن تصلها.
جاء خبر افتتاح مركز لتمكين المرأة في مدينة الدانا بإدلب بمثابة المنقذ بالنسبة لها، فالتحقت به دون تردد وتعلمت مهنة الكوافيرة، اختارت المهنة لأنها تحب فنون تصفيف الشعر وقصه وعمل تسريحات متعددة منذ الصغر وهو ما ساعدها على تعلمها بسرعة والإبداع فيها على حد وصفها.
استغرقت هالة زعتور في تعلم المهنة أكثر من سبعة أشهر، وخلال هذه المدة استطاعت الإلمام بكل نواحيها ومهاراتها إلى أن شعرت بثقتها بنفسها وقدرتها على افتتاح مشروع خاص بها.
وتضيف "لم يكن رأس المال الذي أحتاجه كبيراً، فاستعنت بأحد إخوتي في استدانة مبلغ من المال مكنني من شراء كافة المعدات اللازمة وبدأت العمل بهمة ونشاط"، تمتلك هالة زعتور اليوم أحد أشهر صالونات التجميل في مدينة الدانا الحدودية التي تقيم فيها مع أطفالها بعد نزوحها الأخير من مدينتها أواخر ٢٠١٩ إبان العمليات العسكرية على مناطق ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي.
بينما سميرة العوض (38) عاماً نازحة من مدينة سراقب ومقيمة في مدينة سلقين، احتارت بين اختيار مهنتي التمريض أو الخياطة، وبعد تفكير طويل اختارت التخصص بمجال الخياطة نظراً لعدم ارتباطه بالحصول على فرصة عمل ممكن أن تحدث وفي كثير من الأحيان لا تحدث، تقول سميرة أنها انتسبت لمركز تمكين المرأة في سلقين لعدة أسباب أهمها حاجتها لعمل ثابت يمكنها من الحصول على مردود شهري يساعدها وعائلتها المؤلفة من أربع أبناء وزوج مصاب في تحمل أعباء الحياة.
وتشير إلى أنها استمرت بالتدريب لمدة خمسة أشهر، أنتجت خلال هذه المدة العديد من القطع الجميلة إلى أن أتقنت المهنة وبدأت بممارستها بعد أن أجرت صيانة لمكنة الخياطة القديمة التي كانت تملكها.
وتنوه إلى أن عملها رغم مردوده القليل يبقى أفضل بكثير من انتظار المساعدة من الآخرين، وهي متفائلة بزيادة الطلب على عملها في الأيام القادمة نظراً لجودة عملها ورخصه بما يتناسب والقدرة الشرائية لدى معظم الزبونات.
أما روعة الطبال (25) عاماً، فهي التحقت بدورات التمريض والإسعافات الأولية وحصلت على شهادة وفرصة عمل كممرضة في إحدى عيادات الأطباء الخاصة، تقول روعة أنها تعشق مهنة التمريض منذ الصغر لكن ظروفها لم تسمح لها بإكمال دراستها التي أوقفها زواجها من ابن عمها بعد حصولها على شهادة التعليم الأساسي، ظروف الحياة القاسية والفقر الذي بات يواجهها بعد اعتقال زوجها من قبل حواجز النظام الأمنية في دمشق عام ٢٠١٥، جعلها مع طفليها الصغيرين في "مهب الريح"، فاستأنفت من جديد سعيها لتحقيق حلمها "الضائع"، والتحقت بدورة مدتها ستة أشهر تخرجت بموجبها وراحت تعمل وتؤمن دخلاً يساعدها وطفليها.
وعن محبتها لعملها تقول "من المهم جداً أن تخرج المرأة من قوقعة الاتكالية والاعتماد على الآخرين، هي قادرة على إثبات ذاتها والاعتماد على نفسها، لامست ذلك بنفسي حين بدأت العمل ورحت أشعر بأهمية وجودي".
المرشدة الاجتماعية حلا البر (28) عاماً، تشجع عمل المرأة وتمكينها فتقول إن التحاق المرأة بمراكز التدريب المهني يوفر لها عملاً وفرصة كبيرة لاكتساب خبرات مختلفة وخاصة في مواجهة ما تمر به من ظروف صعبة وسط الفقر والنزوح.
وتؤكد أن العمل وتعلم المهن ينعكس بشكل إيجابي على حياة المرأة وحياة أسرتها، فهو لا يعني الحصول على المال وحسب إنما يحقق لها وظائف اجتماعية ونفسية وعاطفية ويفسح المجال أمامها للاعتماد على نفسها وزيادة ثقتها بقدراتها وتفاعلها الاجتماعي، ويتيح لها فرصة كبيرة للتعبير عن ميولها وقدراتها وطموحاتها وإشباع رغبتها بالنجاح والتميز.
وبحسب "فريق منسقو استجابة سوريا"، فقد بلغت نسبة البطالة في إدلب حتى شباط/فبراير من عام 2021، ما بين 78 ـ 80% من السكان المحليين، وتعتبر المرأة أكثر الفئات تضرراً في ظل الحرب وغياب الأمن والاستقرار وقلة فرص العمل فضلاً عن ارتفاع الأسعار وجنونها بشكل يومي.