تزينت حقول تل تمر بالنساء اللواتي يجمعن القش والحرمل

سوركل شيخو
الحسكة ـ تعلمت إلهام محمد الإبداع والحرف اليدوية من والدتها وجدتها، تذهب في ساعات الصباح الأولى إلى الحقول خلال فصل الصيف وتجمع القش من أجل الحيوانات والمنزل وصنع الِلبن (الطوب). ومن جهة أخرى تقوم بجمع الحرمل من فوق التلال وتقوم بصناعته مع أطفالها وتعلقها كزينة في منزلها.
على الرغم من كل الصعوبات هناك شرارة أمل، تلك الشرارة هي الأمهات. حيث تقوم الأمهات بصنع الأدوات بخبرتهن ويخلقن روح الإبداع في كل عمل كبيراً كان أم صغيراً. وينسجن حياتهن من ثمار أرض بلاد ما بين النهرين، ويواصلن النضال من أجل الحياة. فتلك الأرض والتربة التي يمشي عليها الناس، تحولها الأمهات إلى العديد من الأدوات. مثل أواني الطعام والشراب وبناء المنازل وصنع الِلبن والعلاجات الطبيعية. إلهام يوسف محمد تبلغ من العمر 49 عاماً، لكن عندما تنظر إلى حركتها ونشاطها تبدو وكأنها تبلغ من العمر 20 عاماً. إلهام هي أم لثلاث بنات وابن وتعيش في قرية حمرة في منطقة تل تمر التابعة لمقاطعة الحسكة في إقليم الجزيرة. تكسب الأسرة قوتها من زراعة القمح والشعير وتربية الأغنام.
مع حلول فصل الصيف، تم حصاد حقول القمح والشعير وأخذت محاصيلها للبيع. قامت إلهام محمد بزراعة 50 دونماً من الأرض هذا العام ولكن لم يتبق منها سوى 10 دونمات بسبب بعض مشاكل المياه والسقاية والري. في الوقت نفسه، تقوم بجمع القش وصنع الحرمل أيضاً. ولمعرفة المزيد عن تجاربها وعملها والمنتجات التي تأتي من القش والحرمل، ذهبنا إلى حقول الأم إلهام وأجرينا معها لقاءاً.
قالت إلهام محمد إن الحياة لا معنى لها بدون عمل "النساء الكرديات والنساء بشكل عام يكسبن قوتهن ويعملن بجد. كانت والدتي تتدبر أمور معيشتنا من خلال زراعة القطن والعدس وجمع القش وبيع التبن. ولأن والدي كان قد مات منذ فترة طويلة، وقعت أعباء ومسؤولية المنزل كلها على عاتق والدتي. وعلى الرغم من ذلك لم تسمح والدتنا أن نحتاج إلى أي أحد. وقامت برعايتنا بجهدها وعملها المتواصل ليل نهار".
 
"أرض بلاد ما بين النهرين خصبة وغنية"
بخصوص الزراعة هذا العام قالت إلهام محمد "قمنا هذا العام بزراعة القمح والشعير ولكننا تضررنا كثيراً. ومن أسباب هذا الضرر قلة الإنتاجية بسبب قطع مياه نهري زركان والخابور من قبل الدولة التركية المحتلة وقلة الأمطار في نفس الوقت. فمن بين 50 دونم من الأراضي المزروعة، لم يتبق لنا سوى 10 دونمات قمنا بحصادها قبل عدة أيام بالحصادة. ثم بدأت أنا وأولادي بعدها في جمع القش. وفي الوقت نفسه، كانت الأغنام ترعى من القش الموجود في الأرض. بعد ذلك ستأتي الحصادة الأخرى وستطحن كل القش الذي جمعناه وتحوله إلى تبن، حينها سنأخذه إلى المنزل حتى يكون علف أغنامنا أيضاً جاهزاً في الشتاء. فالأرض الواقعة بين النهرين خصبة وغنية ولكنها بحاجة إلى الاهتمام والاعتناء بها. نحصد خضرواتنا وفاكهتنا من شجيراتها، حتى أننا نحصل على التبن من قشها لتكون طعام مواشينا من جهة ونستخدمها في الطين الذي نبني به منازلنا من جهة أخرى".
 
"يستخدم قش القمح كعلف للأغنام أما لبناء المنازل والأسطح يجوز النوعان"
وعن الفرق بين قش القمح والشعير تبين "قش القمح أفضل من قش الشعير، لأن التبن الذي ينتج عن كومة من قش القمح يعادل التبن الناتج عن كومتين من قش الشعير. وقش القمح أفضل وجيد بشكل خاص للأغنام. لكن بالنسبة لصنع اللِبن وبناء المنازل لا يهم نوع القش المستخدم وليس هناك فرق. يستخدم القش في صنع التبن والِلبن وبناء المنازل الطينية والأسطح وصقل الجدران. وأكثر ما يلفت الانتباه ويثير الاهتمام هو أن المنزل المصنوع من القش والطين يكون بارداً في الصيف ودافئاً في الشتاء". 
 
"أذهب إلى الأرض من شروق الشمس إلى غروبها" 
أشارت إلهام محمد إلى ساعات مغادرتها للمنزل وتوجهها إلى أرضها وأيضاً إلى جهدها وتعبها "قبل شروق الشمس ودون النظر إلى الساعة، أغلق باب المنزل وأمشي واضعة المذراة فوق كتفي، وأتوجه نحو أرضي. أمشي حوالي 2 كم كل صباح. ثم أعود وقت الضحى أوقظ أطفالي من النوم وأطعمهم. ثم أذهب إلى الأرض مرة أخرى من الساعة الثانية أو الثالثة والنصف ظهراً وأجمع القش حتى مغيب الشمس ثم أجمع الأكوام التي جمعتها معاً. أحياناً عندما أتعب كثيراً، أتوقف قليلاً ثم أكمل ولكن أحياناً أعمل دون انقطاع. وبسبب نقل وجمع القش بالمذراة تتألم يداي وتتورمان ولأن قدماي أيضاً تتلطخان بالتراب دائماً بالطبع سوف تتشققان. هذا أمر طبيعي، لأن الإنسان الذي لا يعمل لا يشعر بالتعب أيضاً. فليكن بالعمل الشاق وعرق الجبين وليس بالطريقة التي نمد بها يد الحاجة إلى الآخرين. ثمن طن التبن مرتفع جداً، إذا لم نزرع القمح والشعير، فلن نتمكن من إعالة أنفسنا وتربية أغنامنا".
 
"أقوم بالكثير من الأعمال بيدي" 
بينت إلهام محمد أنها تقوم بالكثير من الأعمال معاً "أقوم بتربية الأغنام أيضاً، وأصنع منتجات مثل اللبن والحليب للجيران وأحياناً للمنزل. ليس هذا فقط، أنا أيضاً أصنع الجبن واللبنة. ننعم بخيرات الحيوان وخيرات الأرض، فمن يعمل بجد سيجد الأرض معطاءة. عندما أذهب إلى الأرض، أخذ معي المذرات والماء، وأحياناً عندما يكون زوجي في المنزل، يحضر لنا الشاي. وبعد الاستراحة وشرب الشاي نعمل معاً. أنا أربي الأغنام وأجمع القش وأربي الأطفال وأقوم بكل الأعمال. فالمرأة الكردية قوية".
 
"إن لم نقم بالاهتمام بها ستقوم الدولة التركية باحتلالها"
لا تبعد أرض إلهام محمد سوى عدة كيلومترات عن عصابات الدولة التركية. وعن خطرهم تقول "العصابات على بعد كيلومترات قليلة منا، إننا نرى المكان الذي احتلوه من حيث نحن ويبدو واضحاً بالنسبة لنا. لكننا لسنا خائفين، لأن هذه أرضنا ويجب علينا الاهتمام بها والدفاع عنها. إذا لم نفعل ذلك ستحتلها العصابات. لذلك مهما حدث سنزرع أرضنا ونهتم بميراث جداتنا وعمل وجهد أجدادنا. فنحن اليوم مسؤولون عن هذه الأرض".
 
"أقوم بجمع القش والحرمل أيضاً"
وبينت إلهام محمد أنها تقوم أيضاً بجمع وإنتاج الحرمل بالإضافة إلى جمع القش، "في هذا الوقت من السنة تنمو أصناف عديدة من النباتات في البرية، أحدها الحرمل. حيث نجمع الحرمل على التلال، لأن معظمها ينمو هناك في الغالب. يستخدم الحرمل من أجل تقوية البصر وإزالة طاقة الحسد والشر للناس وأيضاً لتزيين المنازل. وهناك فوائد عديدة للحرمل لكل من صحة الإنسان والحيوانات. فنحن نحرق الحرمل بين الماشية لأن ذلك يساهم في تخصيبها وتكاثرها. أن لون بعض حبوب الحرمل أخضر وبعضها الآخر أحمر، وفي البداية تتفتح الأزهار وفي داخلها توجد البذور".
 
"أقوم أيضاً بسلق القمح وأصنع السليقة وأوزعها على الجيران والأطفال"
إلهام محمد تصنع السليقة أيضاً وتقول "في البداية كان الأمر أشبه بهواية، أحببت تزيين الحرمل لذلك تعلمت. الآن أريد أن يتعلم أطفالي ذلك حتى يتمكنوا في المستقبل من تعليم الآخرين. تعرف ابنتي وابني البالغ من العمر 10 سنوات الآن كيف يصنعان ويجمعان حبوب الحرمل بالإبرة ويجعلوها زينة للبيت. عندما ننتهي من إنتاج القمح في القرية وكثقافة قديمة للأمهات نقوم أيضاً بسلق الحنطة وصنع السليقة وتوزيعها على الجيران. ونقوم بطحن ما تبقى بعد تجفيفه ونصنع منه طعام الشتاء".
 
"يصنع الحرمل بعدة طرق"
وعن كيفية صنع زينة الحرمل تقول "في البداية أقوم بلف قطعة من القماش الملون على العصي، ثم أحضر الإبرة وأدخل فيها حبات الحرمل واحدة تلو الأخرى وأصفها وراء بعضها البعض. أضع خرزة بين كل خمس حبات من الحرمل وهكذا أنهي الصف الأول الذي يتكون من 50 حبة. هناك العديد من الأشكال الجميلة الأخرى والمثيرة للاهتمام ولكني أعرف كيفية صنعها بهذا الشكل فقط".
 
"أحموها من أجل الحفاظ على هويتكم"
واختتمت إلهام محمد حديثها قائلة "إن هذا العمل الذي أقوم به اليوم يعكس عمل أمهاتنا وجداتنا واجدادنا منذ آلاف السنين. إنه من ثقافاتنا الريفية، إذا ضاعت واختفت هذه الثقافة اليوم، فسيكون من المستحيل التعرف علينا. لهذا السبب يتعين علينا حماية جميع ثقافاتنا من الانقراض".