اللغة الأم وسيلة لنقل ونشر الثقافات وأساس وجود المجتمعات

مركز الأخبار ـ تعتبر اللغة أساس الثقافات ووجود المجتمعات المتعددة، وهي وسيلة يتم من خلالها صون ونشر الثقافات والمعارف على نحو مستدام. وعلى إثر ذلك تم تخصيص يوم عالمي للغة الأم يصادف 21شباط/فبراير من كل عام.
اليوم العالمي للغة الأم يهدف إلى إبراز أهمية التنوع اللغوي في العالم، وحماية مقومات هوية جميع الشعوب، وتعزيز التعدد اللغوي والثقافي، لأنه بحسب منظمة اليونسكو تعتبر اللغة وسيلة لنقل ميراث وتقاليد وعادات شعوب الأرض، والتعبير عن هوية تلك الشعوب.  
 
الجذور التاريخية
يعود ظهور مصطلح "اللغة الأم" إلى القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر، والذي ظهر في خطب رهبان الدير (الجرمانية)، لتبرير استخدامهم للغة الفرنكوفونية في خطبهم.
وتعرف اللغة الأم بحسب قاموس أكسفورد البريطاني بأنها اللغة التي ينطق بها الإنسان منذ الطفولة، ويمكن تعريف اللغة الأم بأنها اللغة الأولى التي يتعلمها الإنسان في مرحلة الطفولة أي "أنها هي اللغة المحكية في منزل الطفل قبل أن يتعلم الكلام".
ويصادف 21 من شباط/فبراير من كل عام "اليوم العالمي للغة الأم"، وجاءت فكرته من أحداث تعود إلى عام 1948 عندما قام مؤسس جمهورية باكستان محمد علي جناح بإعلان فرض "الأوردية" لغة وطنية وحيدة ليتم التداول بها على الأراضي الباكستانية باعتبارها اللغة الجامعة لأغلب العرقيات في باكستان.
ورداً على ذلك قامت الطبقات الوسطى في باكستان الشرقية جمهورية بنغلاديش الحالية قبل انفصالها عن باكستان، بانتفاضة عرفت لاحقاً بـ "الحركة اللغوية البنغالية"، حيث تظاهر الطلبة ضد القرار، وأطلقت الشرطة الباكستانية النار عليهم مما أدى إلى مقتل خمسة من طلبة كلية الطب في مدينة دكا في 21شباط/فبرابر 1952. 
وامتدت الاحتجاجات لتعم سائر الأقاليم البنغالية، وعلى إثر ذلك اضطرت الحكومة إلى الاعتراف باللغة البنغالية لغة متداولة على قدم المساواة مع اللغة الأوردية في باكستان.
واقترحت دولة بنغلاديش تخليد هذا اليوم ليصبح "اليوم العالمي للغة الأم"، ووافق عليه المؤتمر العام لليونسكو في 17تشرين الثاني/نوفمبر 1999، وتم إقراره بموافقة 28 دولة، واحتفل به لأول مرة في عام 2000.
وأنشأت اليونسكو في شهر كانون الثاني/يناير 2006 فرقة عمل خاصة باللغات والتنوع اللغوي باسم "هيئة الرصد الاستراتيجي" بهدف دعم الجهود الرامية لتعزيز التنوع اللغوي في العالم، وتشجيع الدول لوضع سياسات وطنية وإقليمية لتعزيز اللغات من خلال الاعتراف باللغات المحلية وتشجيع تعلمها لا سيما اللغات المهددة بالانقراض.
وفي 16أيار/مايو 2007، حثت الجمعية العامة للأم المتحدة بقرارها في التشجيع والحفاظ على جميع اللغات التي تستخدمها شعوب العالم وحمايتها، وتم إقراره رسمياً من قبل الجمعية وتقرر إنشاء سنة دولية للغات في عام 2008.
 
في كل عام... شعار مختلف
في كل عام تقوم منظمة الأمم المتحدة ومنظمة (اليونسكو) بتنظيم فعاليات لتعزيز التنوع اللغوي والثقافي في العالم وتشجيع الناس للتعرف على لغتهم الأم، وتقوم بعض الحكومات والمنظمات غير الحكومية بالإعلان عن سياسات لتشجيع تعلم اللغة والدعم، وعلى إثر ذلك حددت اليونسكو عنواناً لكل يوم عالمي للغة الأم منذ اعتماده في عام 2000، والذي يختلف من عام لآخر ففي عام 2016 حددت اليونسكو عنواناً للاحتفال باليوم الدولي للغة الأم "جودة التعليم، اللغات من نتائج التعليم والتعلم" للتأكيد على أهمية تعلم اللغة الأم في السنوات الأولى من الدراسة، وتعزيز العدالة بالنسبة لشعوب الأقليات الذين يتحدثون بلغة مختلفة عن لغة البلد الذي يعيشون فيه.
وكان موضوع اليونسكو في عام 2017، بعنوان "نحو مستقبل مستدام من خلال التعليم المتعدد اللغات" حيث دعت المنظمة إلى إجراء أنشطة ترويجية للغة الأم والتعليم المتعدد للغات على المستوى القطري، والتأكد من أن جميع فئات المجتمع يتقنون القراءة والكتابة والحساب.
وفي عام 2018 اختارت اليونسكو الاحتفال بهذا اليوم تحت عنوان "الحفاظ على التنوع اللغوي وتعزيز التعدد اللغوي من أجل دعم أهداف التنمية المستدامة".
وفي عام 2019 أحيت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" هذا اليوم تحت شعار "لغات السكان الأصليين مهمة من أجل التنمية وبناء السلام والمصالحة"، وفي عام 2020 كان شعاره "لغات بلا حدود". 
 
الجوائز
خصصت اليونسكو جائزة في اليوم العالمي للغة توزع على اللغويين والباحثين ونشطاء المجتمع المدني لعملهم في مجال التنوع اللغوي والتعليم المتعدد اللغات، وبدأت بتوزيعها منذ عام 2002، وتضم جائزة اللغات (Lingupax) يقدمها معهد اللغات الإسباني ومقره مدينة برشلونة، وجائرة التراث (EKushey) تقدمها لجنة تراث مجموعة ألبرتا منذ عام 2014، ويقع مقرها في مدينة ألبرتا في كندا، وجائزة الشباب (EKushey) تقدمها مؤسسة جاهد ماهينور "MJMF" منذ عام 2015، وتقع في مدينة ألبرتا الكندية. وحاز على هذه الجوائز عدة شخصيات تهتم في مجال اللغة، بالإضافة إلى عدة مؤسسات تعليمية من 11 بلداً.
 
اللغات المهددة بالاندثار
تعرضت العديد من اللغات للانقراض والتهميش والقمع الثقافي فمثلاً إيران تمنع بعض الأقليات من التحدث بلغتهم كالكردية والعربية وغيرها أيضاً، وبقيت العديد منها تصارع للبقاء كاللغة الكردية التي منعتها تركيا وفرضت التتريك على شعبها ومنعتهم من التحدث بها، والأمر ذاته بالنسبة إلى العراق وسوريا اللتان حاولتا طمس اللغة الكردية, ومنع الكرد من التحدث بها، وأيضاً حكومات شمال أفريقيا التي منعت الأمازيغ من التحدث بلغتهم.
وهناك بعض اللغات مهددة بالانقراض كلغة "نفوسي" وهي لغة آفرو آسيوية، وهي لغة أمازيغية قديمة يتحدث بها القليل جداً من سكان غربي ليبيا وجنوبي تونس ومنطقة جبال نفوسة الليبية.
ولغة ريسيجارو والتي يتحدث بها شخص واحد فقط، ولغة أتراك تشوليم والتي يتحدث فيها 44 شخص، ولغة مودبورا وهي لغة السكان الأصليين للإقليم الشمال الأسترالي حيث بلغ عدد المتحدثين بها في عام 2016 نحو 92 متحدثاً، ولغة باتوين وهي لغة يتحدث بها السكان الأصليين في ولاية كاليفورنيا، وكانت أخر متحدث بها قد توفي في عام 2011.
ولغة أينو وهي لغة للسكان الأصليين لجزيرة هوكايدو في اليابان، ولغة شيمن هويفي وهي لغة الأميركيين الأصليين.
وعلى الرغم من أن عدد اللغات المعترف بها عالمياً هي 6 لغات بحسب منظمة الأمم المتحدة وهي "اللغة الفرنسية التي يتحدث بها 3.05 %، اللغة الصينية التي يتحدث بها 18.05%، اللغة الإنجليزية يتحدث بها 25%، اللغة الروسية يتحدث بها 3.95%، اللغة الإسبانية يتحدث بها 6.25%، اللغة العربية والتي يتحدث 6.6%"، إلا أن هناك لغات أكثر انتشاراً في العالم وهي اللغة الهندية يتحدث بها 11.51 %، اللغة البرتغالية يتحدث بها 3.26%، اللغة البنغالية يتحدث بها 3.19 %، اللغة الألمانية يتحدث بها 2.77%.
وبحسب إحصائيات اليونسكو، فهناك أكثر من 50% من اللغات المحكية والبالغ عددها سبعة آلاف لغة معرضة للاندثار، و96% من هذه اللغات لا يتحدث بها سوى 4% من سكان العالم. و40% من سكان العالم لا يحصلون على التعليم بلغة يتحدثونها أو يفهمونها.