ما مدى تأثير أزمة حرائق الغابات ووباء كورونا على النساء في الجزائر؟

نجوى راهم
الجزائر ـ أثرت الأزمة الصحية التي يمر بها العالم منذ أواخر عام 2019 إلى غاية اليوم، وكذلك اندلاع الحرائق في عدة مناطق شمال الجزائر والتي خلفت مأساة حقيقية، على النساء نفسياً وصحياً.
عانت الجزائر على غرار جاراتها من الأزمة الصحية التي اجتاحت العالم، فقد سجلت ارتفاعاً غير مسبق في عدد المصابين بفيروس كورونا، حيث وصل إجمالي عدد الحالات المصابة إلى 5601 حالة ما بين 27آب/أغسطس الماضي و9أيلول/سبتمبر الجاري، وما زاد الأمر سوءاً وفاقم من الأزمة الصحية التي تمر بها البلاد، اندلاع الحرائق في عدة مناطق شمال الجزائر، ولكن إلى مدى أثرت الأزمتين على النساء في البلاد؟
تقول (آمال.د) وهي في العقد الثالث من عمرها، أنها كانت تعيش حياة مفعمة بالحيوية والنشاط مع عائلتها بولاية قالمة شرق العاصمة الجزائرية، لكن منذ آذار/مارس المنصرم، لم تغادر المنزل، خاصة بعد أن تفاقمت أعراض اضطراب القلق الاجتماعي ومخاوفها وتصرفاتها القهرية الغير مبررة بسبب رهاب انتقال فيروس كورونا وخوفها على عائلتها من الإصابة به.
وحول تأثير فيروس كورونا بشكل كبير على حياة الأشخاص وقدرتهم على مغادرة المنزل أو الذهاب إلى العمل، تقول آمال.د "أنا شخصياً بسبب الضغوط النفسية تملكني الوسواس والهوس من خطر الاصابة بالفيروس، فقد أرغمت زوجي على البقاء في المنزل لأكثر من شهرين، ولكن بعد فترة لاحظ أنني تغيرت وأصبحت متعصبة، فساعدني في إعادة التوازن لذاتي بمرافقة نفسانية".
وعانت النساء العاملات في وظائف غير رسمية على وجه الخصوص خلال فترة الحجر الصحي الذي كانت تفرضه البلاد بين حين وآخر، لأن معظمهن لا يشملهن التأمين عن البطالة والتعويض بسبب التوزيع غير المتكافئ في فرص العمل.
 
 
تقول الباحثة في علم الاجتماع أمينة حريش "المرأة شريك أساسي في التنمية المحلية، لأن النساء والفتيات تتحملن مسؤولية رعاية الأسرة والمنزل عكس الرجل الذي يوكل إليه إدارة الأعمال خارج المنزل بحسب التقاليد الاجتماعية".
وأضافت أمينة حريش "أن نسبة فجوة العنف ضد النساء ارتفعت بسبب عدة عوامل منها تواجد المرأة مع زوجها لساعات طويلة في المنزل وفقدان وظيفة العمل بالنسبة للرجال، وبالتالي المرأة هي من دفعت النتائج، وزاد توقف المدارس وبقاء الأطفال في المنزل عبئهن"
ونوهت إلى أن نسب العنف ضد النساء ازداد بالتزامن مع الضغط الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بحظر التجول وفرض تدابير الحجر الصحي بسبب جائحة كورونا "لقد ازداد العنف المنزلي بشكل تصاعدي، فمنذ بداية الأزمة الصحية تم تسجيل عدد كبير من حالات العنف ضد النساء في الجزائر، فقد سجل موقع "فيمنيسيت جزائريات" راحت حوالي 80 امرأة ضحية عنف أسري من قبل أحد أقاربها ما بين عام 2020 و2021".
ولم تتوقف الأزمة الصحية في البلاد عند ذلك، فقد فاقم ذلك اندلاع الحرائق التي انطلقت شرارتها الأولى في عدة مناطق في شمال الجزائر في التاسع من آب/أغسطس الماضي، لا سيما في تيزي وزو، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 1.2 مليون نسمة.
وأظهرت العديد من مقاطع الفيديو المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي مشاهد مأساوية للدمار الذي أحاط بكل من ولايات سطيف وبجاية وخنشلة وقالمة وعنابة وحتى البليدة والقرى المجاورة التي وجدت نفسها محاطة بالنيران، حيث دمرت النباتات ونفقت قطعان الماشية، فيما أجبر السكان على الفرار إلى بر الأمان.
تروي نا لويزة وهي من منطقة القبائل بتيزي وزو لنا بمرارة ألم رؤيتها لألسنة النيران التي أكلت الأخضر واليابس بقرية ناث ايراثن، قائلةً "استيقظنا على رائحة الحرائق بالقرى المجاورة ولو لم نخرج من المنزل لما بقينا على قيد الحياة"، مضيفة بحسرة "تيزي وزو احترقت... لقد خسرنا كل شيء، أشجارنا وبيوتنا، أولادنا وحيواناتنا... كنا نخاف من اصابتنا بفيروس كورونا، لقد كانت قريتنا من بين القرى التي حافظت على معايير التباعد الاجتماعي وكل طرق الوقاية، حتى أننا أطلقنا حملة من أجل تطبيق الحجر الصحي لمدة 15 يوماً ولكن الفاجعة التي حلت بنا ضاعفت نسبة الخوف فينا وألم الفقد والوجع على حياتنا... كل شيء تغير".
وحول تأثير حرائق الغابات على النساء وخاصة الريفيات منهم تقول زهرة مشري "إتلاف الأشجار أو حتى قطعها سلوك غير إنساني ولا أخلاقي، فكيف لشخص يمكنه أن يفتعل اشتعال النيران لحرق ثروات بلاده وقطع أرزاق نساء ريفيات يعملن طوال السنة لجني ثمار ومحصول عام كامل بعد جهود كبيرة"، مضيفة "حقيقةً أنا جد حزينة بسبب هذا الجرم الخطير في حق الطبيعة والنبات والأرض، لأن الأرض هي العطاء هي الاحتواء لكل الكائنات الحية".
وتتابع "لا أنكر أن الحرائق كان لها أضرار على الجميع دون استثناء، ولكن النساء كن المتضررات الأكبر فهن قد فقدن أولادهن وأزواجهن ومحاصيلهن وأراضيهن التي تهون عليهن شقاء وتعب الأيام، لقد كانت الأراضي والأشجار السند والقوة للنساء اللواتي كن يفتقرن لمن يستمع لمعاناتهن".
وفي الوقت الذي وضع العديد من الأشخاص نفسهم في الحجر الصحي، بادرت الممثلة المسرحية والمتطوعة في منظمات المجتمع المدني ماسيليا آيت، لتقديم المساعدات لأهالي وسكان المناطق المتضررة جراء حرائق الغابات، ولم تهتم لارتفاع حصيلة المصابين بفيروس كورونا المتحور ـ دلتا، في تلك المناطق.
وبالرغم من الجهود المبذولة من طرف باحثين وأساتذة وخبراء ومسؤولين في منظمة الصحة العالمية ومختصين، إلا أن سرعة انتشار فيروس كورونا وقدرته على التحور زادت بشكل أكبر، وارتفعت حصيلة المصابين والوفيات.
تقول ماسيليا آيت "أؤكد أن الفيديوهات والصور التي تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي كان لها أثر كارثي على نفسية الأشخاص على مستوى مناطق متفرقة من الجزائر بشكل عام وعلى وجه الخصوص النساء منهم، لقد كان حجم الضرر والدمار كارثي".
وأشارت إلى أن الأزمة التي تمر بها الجزائر في الآونة الأخيرة من انتشار كورونا المتحور والضرر الذي تسبب به اندلاع الحرائق أثرت بشكل كبير على النساء "نساء قرية اخليجن التابعة لبلدة ناث ايراثن كن أكثر المتضررات، فقد شهدت القرية فاجعة فقدان أسر وعائلات وأطفال وشباب وشابات، خاصة طريقة تفحم الشقيقتين جوهر وسارة رفقة والدتهما بمنزلهما لقد كانت جد مؤثرة ومحزنة".
والحقت أزمة كورونا وحرائق الغابات بالجزائر ضرراً جسيماً بالنساء فقد عانين من ألم فقد الأرض والرزق والسند والمأوى والأولاد.
 
 
وأوضحت الباحثة في علم النفس الاجتماعي وسيلة حمدي أن "الدمار الذي خلفته الحرائق الأخيرة والارتفاع الكبير في عدد الاصابات بفيروس كورونا سيكون له مشاكل نفسية عميقة على الأشخاص". مضيفة أنه وحسب البحوث الاخيرة حول الصحة النفسية بسبب مخاوف الاصابة بكورونا "فإن آثار الجائحة على الصحة النفسية من المرجح أن تبقى لفترة أطول مقارنة بآثارها على الصحة البدنية". 
 
 
ولم يقتصر تأثير اندلاع الحرائق على النساء فقط، بل طال البيئة أيضاً، تقول الباحثة في حركة التنوع البيولوجي للأنظمة البيئية بسمة دشير "الحرائق التي مست الجزائر هذه السنة ليست استثناء في العالم، ولكن طريقة افتعال حرائق الغابات بأكثر من 20 قرية في منطقة القبائل والمساهمة في تدمير ثروة غابية وحيوانية بالإضافة إلى تسجيل خسائر بشرية لها مخلفات وخيمة وستكون لها نتائج سلبية في حق البيئة والطبيعة مستقبلاً، فقد أحدث اختلالاً في التوازن البيئي والصحي على الإنسان والحيوان، وحتى الطبيعة".
وأرجعت السلطات الجزائرية أسباب حرائق الغابات باتهام رسمي لـ "أيادي إجرامية"، حيث تم توقيف أكثر من 92 شخصاً متورطاً في اشتعال الحرائق في مناطق مختلفة من الولايات.