اليوم العالمي للمحيطات... يوماً رمزياً يجمع بين البيئة والمناخ الجوي

مركز الأخبار ـ تتميز حياة البحار والمحيطات التي تعتبر مكوناً أساسياً من مكونات النظام المناخي للأرض وأنّها من أكثر الأماكن غموضاً، وتُشكل مواردها أهمية بالغة بالنسبة لكوكب الأرض والمجتمع على حدٍ سواء، غير أنّها تتعرض لتدهور كبير ومتواصل من جرّاء الأنشطة البشرية منها الصيد المفرط والتلوث وزيادة في درجات الحرارة.
اليوم العالمي للمحيطات يذكّر الجميع بالدور الرئيسي للمحيطات في الحياة اليومية، ويسلّط الضوء على نُظم الحياة وسبل العيش، فعالم المحيطات عالم واسع مليء بالأسرار والعجائب وهناك أشياء لا يزال يحيط بها الغموض، ففيها تتعدد أشكال الحياة التي لا يعرفها الكثير من البشر.  
 
زيادة الوعي الدولي بالفوائد التي تقدمها المحيطات للبشرية
للأمم المتحدة دور في زيادة الوعي الذي يمكن أن تؤدّيه مع القانون الدولي واستخدام المحيطات ومواردها الحيّة وغير الحيّة، وشعبة الأمم المتحدة لشؤون المحيطات وقانون البحار، بتنسيق أنشطة مختلفة في اليوم العالمي للمحيطات. 
ويعود مفهوم "اليوم العالمي للمحيطات" إلى عام 1992، عندما طُرح لأول مرة من قبل الحكومة الكندية، في مؤتمر قمة الأرض في ريو دي جانيرو؛ لزيادة الوعي بشأن الدور المهم الذي يضطلع به المحيط في الحياة والسبل المهمة التي يمكن للناس من خلالها حمايتها.
أعلنت الجمعية العامة في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2008، أن يوم 8 حزيران/يونيو يوماً عالمياً للمحيطات، واعتباراً من عام 2009 قررت الاحتفال به.
ويعد الاعتماد الرسمي للأمم المتحدة لليوم العالمي للمحيطات فرصة لزيادة الوعي الدولي بالفوائد التي تقدمها المحيطات للبشرية بالإضافة إلى التحديات القائمة حالياً في إطار المساعي للحفاظ على محيطات نظيفة ومنتجة، وإنّ التفاعل مع المحيطات تفاعلاً مستداماً يعد مسؤوليّة فرديّة وجماعيّة مع مراعاة مصلحة الأجيال القادمة.
ويهدف للتعريف بتأثير الأنشطة البشرية على المحيطات، وخلق حراك عالمي يجمع اهتمام الناس وتوحيدهم في مشروع الإدارة المستدامة لمحيطات العالم.    
وفي كل عام تتعدد الطرق والمواضيع لزيادة الوعي بأهميّة وجمال المحيط، وتقام العديد من الفعاليات في هذا اليوم، حيث يتم تنظيمها في المتاحف والأحواض المائية ومراكز علم المحيطات في كافة أنحاء العالم، وتوفر تلك الفعاليات إطاراً للعمل والمبادرات التي تهدف إلى حماية الأنظمة البيئية البحرية، ويجمع الاحتفال باليوم العالمي للمحيطات عدداً من ممثلي الدول الأعضاء والمجتمع العلمي والمدني بالإضافة إلى مجموعة من الشباب.
 
رئة الأرض... مصدر للحياة البشرية 
تعتبر المحيطات رئة الأرض، فهي تغذينا وتنظّم مناخنا، وتنتج أغلب الأوكسجين الذي تتنفّسه الكائنات الحية، كما أنّها تمتص نحو 25% من غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي ينبعث سنوياً في الغلاف الجوي جرّاء الأنشطة البشرية، وبالتالي تحد من تأثيره المسبب للاحتباس الحراري، وتقوم نباتات بحرية صغيرة تدعى العوالق النباتية بإفراز 50% من نسبة الأوكسجين في الغلاف الجوّي، وتأوي تنوعاً بيولوجياً يتراوح بين الحيتان والعوالق التي تعيش بين شعاب مرجانية تضيئها أشعة الشمس ومحيطات قطبية، وتوفّر موطن لتنوع هائل من الحياة البحرية، وهو مصدر هام للعقاقير الطبية.
كما أنّها تعد مصدر للحياة فتدعم البشرية وجميع الكائنات الحية الأخرى على الأرض، وتمثّل بداية عقد الأمم المتحدة لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة (2021 ـ 2030)، الذي يعزز التعاون الدولي لتطوير البحث العلمي والتقنيات المبتكرة التي يمكن أن تربط علوم المحيطات مع احتياجات المجتمع.
 
أكبر مصدر في العالم للبروتين
تعتبر المحيطات مصدر هام للغذاء حيث تحتوي على مواد غذائية وحيويّة هامّة كالسمك والمحار، وتمثّل أكبر مصدر في العالم للبروتين، بحيث يعتمد أكثر من 2.6 مليار شخص عليها كمصدر رئيسي للبروتين بالنسبة لهم، ويعمل في مصائد الأسماك البحرية، أكثر من 200 مليون شخص، وهو جزء مهم من المحيط الحيوي، ويوفّر موارد عديدة للطاقة أهمّها النفط والغاز الطبيعي. 
وتختزن الآبار البعيدة عن الشاطئ أو الآبار البحرية تحت قاع المحيطات كميات كبيرة من الرواسب النفطية والغاز الطبيعي، كما تُسهم عمليتا المد والجزر في المحيط في توفير الطاقة، إذ إنّ قوة ارتفاع المياه وانخفاضها بالمد يساعد على استخدام هذه الطاقة في توليد الكهرباء.
 
تهديدات غير مسبوقة 
يدرس علم المحيطات السمات الفيزيائية والكيمائية والبيولوجية للمحيط، ويتضمن البحوث الأوقيانوغرافية، التي تعني بأخذ عينات من مياه البحر والحياة البحرية والاستشعار عن بعد بالطائرات والأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض، واستكشاف قاع البحر عن طريق الحفر، واكتشاف طبيعة حدوث الزلازل للقشرة الأرضية تحت قاع المحيط.
بالرغم من أهميّة المحيطات والسواحل إلا أنّها تواجه تهديدات غير مسبوقة، وقد زاد اهتمام العلماء بهذا العلم في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل المتغيرات الحالية التي تهدد المحيطات بسبب تغير المناخ وارتفاع مستوى التلوث الذي يسببّه البشر سواء عن طريق التخلص من النفايات أو تعمّد تقليل مساحة المياه، مما أدى في النهاية إلى تآكل الخطوط الساحلية، ويمكن لتقلّص مساحة المياه أن تعرّض أنواع كاملة من الكائنات البحرية التي تعيش في المحيطات لخطر الانقراض، وقُدّرت نسب التلوث البحري والتي تشكل 80% منه مصادر بريّة تضر بالمحيطات، وعلى رأسها رمي النفايات وبعض أشكال السياحة المائية، وكلها أنشطة تلحق أضراراً جسيمة بالحياة والنظم الطبيعية للمحيطات.
وتظهر مواقع المحيطات المفتوحة أنّ المستويات الحالية من الحموضة زادت بنسبة 26% منذ بداية الثورة الصناعية، التي بدأت عام 1760، وأنّ المياه الساحلية تتدهور بسبب التلوث، ومن المتوقع أن يزداد إلى أكثر من 20% في النظم الإيكولوجية البحرية الكبيرة بحلول عام 2050، وتدخل ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية إليها، والتي تضر بالمخلوقات البحرية، كما أنّ تغير المناخ يضر بالشعاب المرجانية وغيرها من النظم الإيكولوجية الأساسية، مع العلم أنّ 80 % من مياه الصرف حول العالم تصرف بدون معالجة.
 
التنمية المستدامة عاملاً مهماً في منظومة التغير المناخي
تعتبر المحيطات مصدراً من مصادر التنمية المستدامة وعاملاً مهماً في منظومة التغير المناخي، حيث أنّ المحيطات تغطي ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية، وتحتوي على 97% من المياه الموجودة على سطح الكوكب، أما الباقي فهي عبارة عن مياه عذبة تسيل عبر الأنهار والبحيرات والجليد.
وتغطي أهداف التنمية المستدامة مجموعة واسعة من قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتشمل الفقر والجوع والصحة والتعليم والتغير المناخي والمساواة بين الجنسين وإمدادات المياه والصرف الصحي والطاقة والتحضر والبيئة والعدالة الاجتماعية.
 
مشاريع هامة
هناك العديد من الخرائط أو المشاريع التي تقام من أجل قاع المحيطات، والهدف منها تزويد الإنسان بعدد من العمليات البحرية، مثل تيارات المحيط، والطقس وارتفاع مستوى البحر والمد والجزر، ويساهم أيضاً في فهم أكثر لنقل الرواسب، والأعمال التي تساهم في الحفاظ على البيئة.
ومن هذه المشاريع العالميّة مشروع "نيبون فاونديشن جي إي بي سي أو سيبيد 2030" الذي أُطلق في عام 2017 تحت إشراف المدير جيمي مكمايكل فيليبس وهو مشروع رسم خارطة لخُمس مساحة قيعان محيطات الأرض، أي 19% من مساحة المحيطات، يُساهم في المشروع قوارب روبوتية يمكنها الوصول إلى مناطق يصعب على الإنسان الوصول إليها دون تعريض أنفسهم للخطر ويهدف إلى تسهيل أعمال الملاحة، ومد كابلات الطاقة والاتصالات، والأنابيب الممتدة تحت الماء وتساعد في الحفاظ على الثروة السمكية وإدارة مصائد الأسماك.
وكان مشروع "Ocean Cleanup" ويعني نظافة المحيط، أحد أكثر الابتكارات شهرة، وهو من أفكار المخترع الهولندي، بويان سلات صاحب الـ 24عاماً، أطلقه عام 2018، وكان وسيلة لمعالجة القمامة التي تشكل "Great Pacific Garbage Patch" منطقة عظيمة من النفايات في المحيط الهادي، ويستخدم في المشروع أنبوب عائم طوله 610 أمتار، يسمى "ويلسون"، يعمل على سحب القمامة بشكل فعال.
مشروع الحاويات الكبيرة والذي أطلق عام 2020، على شكل مزهرية تلتقط الزجاجات والأكياس والأواني، تسمى بـ "Seabin" وتعمل هذه الحاويات بفضل مضخة في الجزء السفلي تمتص الماء والقمامة، حيث تُفصل بعد ذلك عن طريق وحدة شبكة داخلية، ثم يطلق الماء في إطار عملية إعادة تدوير القمامة، ويمكن لكل حاوية التقاط 90 ألف كيس بلاستيكي سنوياً، و36 ألف كوب و16500 زجاجة بلاستيكية، وهناك أكثر من 700 حاوية "Seabin" حول العالم، ومعظمها على سواحل الدول الأوروبية.
 
الفعاليات الافتراضية
في ظل الأزمة التي فرضتها جائحة كورونا، يحتفل المجتمع الدولي باليوم العالمي للمحيطات عن طريق مواقع وشبكات الإنترنت، حيث يعمل المشاركون في هذه الفعالية الافتراضية على تقديم مقترحات وابتكارات جديدة؛ من أجل تطوير التقنيات الكفيلة بالحفاظ على سلامة المحيطات واستدامتها، واستعراض الابتكارات الحديثة في عدة مجالات، من قبيل التكنولوجيا والبنيات التحتية للنظم، وتدبير الموارد والمنتجات الاستهلاكية والتمويل والاستكشاف العلمي.
 
تغطي نحو ثلثي سطح الأرض
تعد المحيطات الجزء الأكبر من الغلاف المائي وتغطي مياهها ما يقارب 71% من سطح الأرض، تعد جميعها محيطاً واحداً ينقسم إلى خمسة محيطات وأكبر محيط في العالم وهو المحيط الهادي وتبلغ مساحته 165.200.000 كم مربع، أي ما يعادل نصف مساحة الغلاف المائي ويحتل 28% من مساحة الأرض الكلية، ويقع بين القارتين استراليا وآسيا من الناحية الغربية، وهو مهم جغرافياً ليس من أجل مساحته فقط ولكن لكونه مساراً تاريخياً رئيسياً للتنقيب والهجرة.
المحيط "الأطلسي" الذي تبلغ مساحته 106.400.000 كم مربع تقريباً ويعد ثاني أكبر المحيطات في العالم حيث يغطي 22% من سطح الأرض، وفيه أعمق وحدة تسمى بوحدة بورتوريكو، ويشكل 26% مساحة المسطحات المائية الكلية.
يعتبر المحيط الهندي ثالث أكبر محيط في العالم، إذ تبلغ مساحته حوالي70.560،000 كم مربع، تصل أعمق نقطة فيه إلى نحو 7.258متر، ويعتبر سبباً في تغيّر أنماط الطقس الموسمية في معظم مناطق جنوب شرق آسيا.
المحيط الجنوبي وتبلغ مساحته 20.330.688 كم مربع، ويحيط هذا المحيط بالقارة القطبية الجنوبية بشكل كامل، ويوجد فيه العديد من الكائنات المهددة بالانقراض منها طائر القطرس الذي كان يُعتقد أنّه يحمل أرواح البحارة الموتى.
ويعد المحيط المتجمد الشمالي الذي تبلغ مساحته14.060.000كم مربع، أصغر المحيطات الخمس وهو محاط بالكامل باليابسة، حيث تحيط به أمريكا الشمالية وأوراسيا بشكل أساسي، ويعيش فيه الكثير من أنواع الكائنات البحرية المهددة بالانقراض، مثل الحيتان والسلاحف وغيرها.
 
كنوز في أعماق المحيطات
عُثر على كنوز وأطلال لمدن غارقة وهياكل لكائنات من عصور مضت، ونظم بيئية بحرية متكاملة وكان ذلك دليل على ما حدث في الماضي، وأنّ التعرف على هذه الآثار والكنوز، تتيح لنا رؤية حقبة تاريخية لم نعشها وزمن مضى.
وتعرف أعماق البحار والمحيطات بأنّها مخزن للأسرار في كوكب الأرض لما تحويه من ألغاز وكنوز، تعبّر عن أندر وأغرب ما ابتكرته الحضارات الإنسانية؛ لتكشف أكثر الألغاز غموضاً حول تاريخ الإنسان القديم الذي أبدع واخترع ووصل إلى حدود الكون.
وكان من أهم تلك الاكتشافات العلمية التي أبهرت العالم "أنتيكيثيرا" وهي آلة ميكانيكية إغريقية تم ابتكارها خصوصاً للحسابات الفلكية، وهي أقدم آلة معقدة في التاريخ، كما يعتقد أن لها العديد من الاستخدامات الأخرى غير المعروفة، كما أطلق عليها العديد من العلماء "الحاسوب التماثلي" لشدة تعقيدها.
وفي عام 2012 اكتشف فريق من السويديين في بحر البلطيق مبنى يقع على عمق 76 متراً في باطن المحيط، وأطلق عليه اسم "الجسم الغريب"، وفي عام 2015عُثر على عمق 300 متر، 200 طن من الذهب والعملات النقدية المعدنية تقدّر قيمتها بـ 17 مليار دولار.
ومن الاكتشافات القيّمة انتشال بقايا محرك صاروخ أبولو11، التي هبطت بالإنسان في حدث تاريخي على سطح القمر عام 1969.