نزفت أحاسيسها شعراً فتمردت به على ذاتها ومجتمعها

سيلين محمد
قامشلو- "الشعر كالخبز يجب أن يكون متوفراً لجميع الناس" مقولة لنزار قباني، آمنت بها الشاعرة أناهيتا سينو، لتصف شعرها على أنه "نزيفٌ داخلي، وصراعٌ لتحطيم القوالب التي تعيق المرأة".
الشاعرة الكردية أناهيتا سينو، من مواليد21 شباط/فبراير 1972، من مدينة رأس العين/سري كانيه في شمال وشرق سوريا، درست حتى المرحلة الثانوية، ولم تتمكن من دخول الجامعة، كونها كانت محرومة الجنسية، ولها ديوان بعنوان "كتبت لأنني أحبك" صدر في 19 آذار/مارس 2018، عن دار شلير للطباعة والنشر.
 
"كتبت لأنني أردت أن أكسر الحاجز وأخرج مشاعري الدَّفينة"
تتحدث أناهيتا سينو لوكالتنا عن بداية اكتشاف موهبتها "عندما كنت طالبة في الإعدادية، بدأت تظهر لدي معالم الموهبة الأدبية في 1988، وعلى الرغم من أنني لم أكن قادرة على كتابة الشَّعر، إلا أن أسلوبي في التَّعبير كان قوياً، وهذا ما لفت انتباه زملائي ومعلمي".
وشعرت أن هناك شعوراً دفيناً حاولت إخراجه عن طريق التعبير، "لجأت إلى كتابة الخربشات على مقاعد الدراسة والألواح والدفاتر، وكتبتُ خواطري على الجدران، أردتُ أن أكسر حاجزاً معيناً، ولدته العادات والتقاليد في داخلي".
وتوعز أناهيتا سينو تطورها ونجاحها إلى حبها للمطالعة، وتلقيها الدعم من عائلتها ورفاقها "القراءة هي محفزٌ قويٌ للسير بالموهبة نحو الأفضل، فلم أكتفي بالشعر فقط، بل قرأتُ القصص والروايات".
وقرأت بحسب ما حدثتنا لكل من "نزار قباني، ومحمود درويش، وسميح القاسم" ومن الشعراء الكرد "جكرخوين، وبي بهار الذي عاصرته، وملاي جزيري" وغيرهم العديد من الشعراء الآخرين، إلى جانب زملائها الشعراء كـ "آرشفي أوسكان".
وتُكمل "ساعدني أحد أصدقائي وهو الأستاذ عزيز خم جفين، في صقل شكل القصيدة الكردية، إلا أنني حافظت على أسلوبي الخاص في الكتابة".
 
"التهجير كلمةٌ تحمل معاني لا تُلخص في سطور"
تذكر أناهيتا سينو أن أول عمل نُشر لها كان عبارة عن خاطرة في مجلة المواسم، فهي كانت ولا تزال تتطرق إلى المواضيع التي تخص المرأة، والعشق، ومعاناة شعبها على اعتبار أنها من أصول كردية، "في التسعينات، بدأت قصائدي الشعرية تنشر في مجلات كثيرة كبابي سوك، وسوركول، وزاني، والحِوار".
وفي 21 أيلول/سبتمبر 2020، نشرت لها مجلة آفاشين قصيدة بعنوان "كتبت لأنني أحبك"، وبنفس العام في العاشر من كانون الأول/ديسمبر، نُشرت لها قصيدة بعنوان "في ظل غفوتي" على منتدى سيريناد. 
وعن اللغات التي تكتب بها، تقول "بدأتُ الكتابة بالعربية، لأنني درستُ بهذه اللغة، في وقت كان يُمنع فيه تداول اللغة الكردية، إلا أنني وبعد سنوات قليلة كتبت بلغتي الأصلية إلى جانب العربية".
وترى أناهيتا سينو أن الأديب هو ابن بيئته، وكغيرها من أديبات وطنها تأثرت بالتهجير القسري من رأس العين/ سري كانيه، بعد احتلالها من قبل تركيا في 2019 "التهجير شيء لا نستطيع أن نُعبر عنه بسطور، فمن عايشهُ وحده يُدرك معناه، ولهذه الكلمة الدور الأكبر في قصائدي الشعرية".
 
"الكتابة بحد ذاتها نزيفٌ وصراعٌ داخلي وتمردٌ على الذات"
تقول أناهيتا سينو أن العمل الأدبي إن لم ينبع من القلب لا قيمة له "على الرغم من أنني أحب جميع أعمالي، إلا أن الأقرب إلي قصيدتي التي تحدثتُ فيها عن الأم".
وتجد حقيقتها في الشعر "الكتابة بحد ذاتها هي نزيفٌ داخلي، وصراعٌ لتحطيم القوالب التي تعيق المرأة والمجتمع، أتمردُ من خلالها على ذاتي". 
وتشير إلى أنها كامرأة كردية واجهت العديد من العوائق في بدايتها، "عانيت بسبب منع التداول بلغتي، إضافة لأنني في مجتمع يعيش تحت وطأة سلطة تحارب تقدم المرأة، ومع مرور الوقت تحسن الوضع، ونرى ذلك عبر نجاح المرأة في العديد من المجالات".
وتبين أناهيتا سينو أن الأدباء هم مرآة المجتمع ولسانه ووجدانه "على الكاتب أن ينقل جميع الأحداث على اختلاف الحالات الشعورية، بصورة بسيطة، تصل إلى جميع الناس". 
وتؤمن على حد تعبيرها، بمقولة الشاعر نزار قباني "الشعر كالخبز يجب أن يكون متوفراً لجميع الناس"، ولهذا تعبر في شعرها عن مجتمعها.
ولم تولد أناهيتا سينو في عائلة متحفظة، بحسب قولها، بل على العكس أسهمت أسرتها في فتح الطريق أمامها لخوض غمار المجال الذي تحبه، إضافة لأن مجتمعها الكردي منح المرأة حقوقاً، لم تكن المجتمعات الأخرى تعطيها لها.
ومن الطبيعي في اعتقادها أن تعطي العوائق المرأة الحافز والدافع للمواصلة، وأن تكتب في جميع الأنواع الأدبية، لأنها تتمتع برقة وإحساس يمنحانها القدرة على الإبداع.
 
"سافرتُ لأغذي ثقافتي، وتوقفتُ سبع سنوات عن الكتابة عندما أصحبتُ أماً"
وسعياً منها لتطوير مخزونها الثقافي الغير مرتبط بالقراءة فقط، وللتعرف على ثقافات وتراث الشعوب الأخرى وتوطيد علاقاتها معهم، لجأت إلى زيارة كل من "هولير، ودهوك، والسليمانية" بإقليم كردستان، كما تحدثت لنا. 
وتضيف "رحلتي عادت علي بالفائدة والمتعة، دخلت خلالها في حوارات هادفة مع كتاب كبار، وذلك زاد رغبتي وشغفي بالكتابة".
وتقول أن نتاج المرأة الأدبي القيم في شمال وشرق سوريا، يبرز عبر المعارض "هنالك العديد من المحاولات الجدية والمثمرة، على الرغم من أن بعضها لا يرقى إلى المستوى المطلوب في الشعر، والقصة، والرواية".
وعما تكتبه في هذه الفترة "أعمل على ديوان شعر باللغة الكردية وآخر بالعربية، ولكن ما يزال الوقت مبكراً لنشرهما، وسأعيد طباعة كتابي "مشاعر من عروق الخابور" الذي نشرته في 2003 للمرة الثانية، وهو كتابي الأول بلغتي الأساسية".
وحول الجمع بين الكتابة والأمومة، عانت أناهيتا سينو من القدرة على التوفيق بينهما، فتوقفت لمدة سبع سنوات عن الكتابة، ولكنها عادت معتبرة أن الأمومة هي دافعٌ قوي لمواصلة الإبداع.
 
"في قصائدي الشعرية أعيش معاناة الآخرين"
وتحاكي أناهيتا سينو المشاهد التي تراها عبر أشعارها، وتؤكد "ليس كل ما يكتبه الأديب ينمُ عن تجربةٍ شخصية، ففي شعري أعيش معاناة الآخرين".
وتذكر أحد المشاهد الذي أثر فيها بشكل كبير، وهي حادثة لامرأة في مقبرة الشهداء تبكي بجانب قبر ابنها، وتصفها "كانت تقبل الثرى، وتحتضن الشاهد، وتتحدث معه عن كل شيء حدث في غيابه، كأنه جالسٌ أمامها، وعندما همت بالرحيل ودعته، ومشت بضع خطوات، ثم توقفت وعادت من جديد إلى جانب القبر، فعلت ذلك ثلاث مرات متتالية، حتى تمكنت من تركه وهي تَجر حسرتها وخيبتها وشوقها".
وتقول عن هذه الحادثة "لا تكفي القصيدة ولا الرواية أو القصة لوصف شعور تلك المرأة، ومهما كتبت فلن أستطيع التعبير عن إحساسها".
وتوضح أنها لا تستطيع أن تعلم أين ستكون في المستقبل، ولكن ما تعرفه هو أن لوطنها الذي وصفته بمدينة الأشجار والينابيع الجريحة وللمرأة الحصة الأكبر من مشاعرها وكتاباتها. 
وتأمل أناهيتا سينو أن تعود لمدينتها، وتقول "المرأة تبني القاعدة الأساسية لمستقبل أدبي جميل، ربما لن نتمكن من رؤيته نحن، ولكن الأجيال القادمة ستكون شاهدة عليه بالتأكيد".