جيران بالألوان... زواج القاصرات والسوشيال ميديا أبرز الأزمات التي يعاني منها المجتمع

أسماء فتحي
القاهرة ـ ناقش العرض المسرحي جيران بالألوان الذي أقامته مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة قضيتين مهمتين وهما زواج القاصرات الذي يعد ظاهرة في المجتمع المصري، إضافة لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأسرة.
 
زواج القاصرات
الطبيعي أن من يقهر ويقع تحت ضغوط لا طاقة له على تحملها هو الأكثر شعوراً بآلام غيره إذا ما وقع في نفس الحالة، إلا أن دور الأم في أغلب زيجات القاصرات قد يجعل العقل يقف عن الفهم تماماً فلا ندرك السبب الذي يجعل تلك المقهورة تمارس قهرها على طفلتها وتضعها في قبضة الألم ما بقي من حياتها.
وانطلاقاً من تلك الإشكالية التقت وكالتنا مع أحد أبطال العمل المسرحي "جيران بالألوان"، التي أقامتها مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة بمشاركة سكان مدينة أكتوبر الجديدة، نهلة مخلوف أحمد التي أدت دور الأم في الجزء الخاص بزواج القاصرات وعبرت من خلال العرض عن أفكار تلك الأم وحاولنا في نقاشنا معها الوقوف على أبرز الأسباب التي أدت إلى إصرار الأم على تزويج طفلتها في هذا السن.
وعن دور الأم وتأييدها لزواج ابنتها القاصرة قالت "فكرة جيرن بالألوان ارتبطت إلى حد كبير بمحاولة علاج الخلل الذي نعاني منه وواحد من أبرز تلك الأزمات هو الزواج المبكر الذي انتشر بشكل كبير في الداخل المحلي خاصةً في قرى ومحافظات صعيد مصر".
وأشارت إلى أن الأم في المسرحية تتمسك بزواج طفلتها تحت تأثرها بعادات وتقاليد المجتمع، معتبرةً أن هذا هو الأفضل لها بدلاً من تركها بدون زواج وبلا عائل يتحمل مسؤوليتها. 
ونوهت إلى أن المسرحية نقلت المبررات التي ساقتها الأم لتزويج طفلتها في هذا السن برجل يكبرها لمستوى يصل لسن والدها وتسليع طفلتها بهذا الشكل، بل واصرارها أن هذا الأمر يصب في مصلحة طفلتها.
وحول تصنيف الزواج المبكر بأنه اتجار بالنساء قالت "تفاعل الجمهور بشكل كبير مع العمل المسرحي خاصة المشهد الذي يجسد تزويج الطفلة القاصر برجل يقرب من والدها في العمر واندمجوا لدرجة أنهم شعروا وكأن هذه الجريمة ترتكب بالفعل على أرض الواقع"، مضيفةً "تطور الأمر لدرجة أن الأصوات تعالت في إدانة الأب والإساءة إليه ومطالبته بضرورة العدول عن قراره والتوقف عن ارتكاب تلك الجريمة وراح بعضهم يسب الوالد وآخرون يدينونه بالفعل".
 
 
وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري أن هناك نحو 117 ألف طفل يتراوح سنهم بين 10 ـ 17 عام تزوجوا أو سبق لهم الزواج في وقت سابق وهو عدد يحتاج للوقوف عليه لمؤشراته الكارثية، ويقدر عدد الأطفال الناتجين عن زواج القاصرات بنحو 200 ألف مولود سنوياً وفقاً لبعض الاحصائيات.
وتم رصد المحافظات التي ينتشر بها زواج القاصرات بنسبة كبيرة وتمثلت في محافظات الصعيد التي تقع جنوب البلاد، باعتبارها الأعلى في أعداد الزواج والطلاق معاً.
وعن أداء أبطال المسرحية أوضحت "قمنا بهذا العمل بأنفسنا وحاولنا من خلاله تغيير واقعنا بالتأثير على أطفالنا وأشغالهم بأنشطة جديدة تساهم في تعزيز وتنمية وعيهم وتساعد أيضاً في إزالة تلك الأفكار والثقافة التي تلقي بظلال جهلها على عقول الكثيرين".
وأكدت "نسعى من خلال مشاركتنا المجتمعية في مؤسسة المحاميات المصريات العمل على إيجاد بدائل أمام أبنائنا لإشراكهم بشكل إيجابي لتغيير محيطهم المجتمعي، ومنها الرياضة والأنشطة الفنية وغيرها من الأمور التي تعمل على تغيير وعي المجتمع الصغير الذي نحيا فيه، ومنه إلى مختلف أنحاء الجمهورية". 
وساهم العمل المسرحي "جيران بالألوان" في إشراك الأطفال في التفكير من أجل إيجاد حلول للمشاكل التي نمر بها، فضلاً عن تكاتف أفراد المجتمع الصغير. 
وعن تفكير الأم وتصرفاتها في العمل المسرحي قالت "بعض من عباراتها يدل على حدود وعيها وإدراكها للأمر (احنا بنجوز البنتة صغيرة، ماهي قدامك اهي حلوة وزي الفل وزي العسل، ويفيد بأيه شهادتها أخرتها بيت وعيال ويفيد بأيه العلام ده جوازها سترة يا خال، تتعلم في بيت جوزها طبخ ومسح وغسيل)".
وبينت أن رسالة طفلتها في الحياة هي تكوين تلك الأسرة والعمل على راحتها وأن تعليمها المجدي يكمن في طهو الطعام وغسيل الملابس وما إلى ذلك من الأعمال التي تجعلها زوجة مميزة في تقديرها.
وترى الأم ضرورة تزويج أبنتها في هذا السن قائلةً "ظل الرجل ولا ظل الحيطة"، وأن القرار الذي يؤمن مستقبل ابنتها هو الحياة في كنف رجل مبكراً قبل تفويت الفرصة عليها، بحسب بطلة المسرحية نهلة مخلوف أحمد.
ووفق عدد من الإحصائيات فإن نسبة الزواج المبكر تقدر بنحو 5% سنوياً من إجمالي حالات الزواج، والأخطر من ذلك هو أن تلك الزيجات تتم بدون توثيق وهو ما يجعل مستقبلاً في حالة رفض الأب القيام بالأمر أو حتى وقوع الطلاق، مستقبل الأبناء مجهول لعدم وجود ما يثبت النسب.
وقالت "نحن نعيش في مجتمع ذكوري تعاني فيه الأم منذ معرفتها للحياة وتسعى جاهدة في تقديرها لتأمين مستقبل أطفالها بتزويجهم، فالأم هنا في قبضة مجموعة من الضغوط ساهمت في تمسكها بمثل تلك الأفكار الكارثية"، مشيرةً بأن حالة المجتمع نفسه لا يمكنها إفراز أكثر من ذلك فبمجرد أن تكبر الطفلة تعاني تلك الأم من حديث الجيران والمستقبل المجهول وربما فوات الوقت المثالي للزواج في تقديرها فتحاول أن تهرب من تلك الضغوط بالتخلص من عبء طفلتها مبكراً.
وترى تلك الأم أنها بذلك تحمي طفلتها فالأم نفسها مرت بنفس التجربة ومر الزمن عليها وهي محاصرة بحالة من الضغوط والقهر التي لم تجد بديل عنها وقبلت به كثقافة موروثة لإنقاذ طفلتها من براثن الوحدة والمجهول مبكراً.
ورسخت المسرحية فكرة اعتماد الطفلة على نفسها بأن تكون هي صاحبة القرار وتم من خلال المسرحية عرض رقم نجدة الطفل 16000 لقيام الأطفال باللجوء له في حال تعرضهن لأي عنف أو إجباره على الزواج المبكر.
 
تأثير السوشيال ميديا على الأسرة
تعد وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين ففي الوقت الذي قربت فيه المسافات المتباعدة وفتحت نافذة على الثقافات المختلفة، وكانت بديل عن اللقاءات والاجتماعات في ظل فترات الإغلاق الناتجة عن انتشار فيروس كورونا في مختلف أنحاء العالم، نجدها عمدت إلى تفكيك الأسرة المصرية وجعل كل فرد منها في كوكب آخر وباعدت بين الأشخاص واقعياً بدمجهم في العالم الافتراضي الذي سلبهم القدرة على الحياة. 
وتم تجسيد تأثير دور السوشيال ميديا على الأسرة وبخاصة الأم في مسرحية "جيران بالألوان" التي دمجت في عمل إبداعي بين الفن والأزمات التي يعاني منها المجتمع، وعن هذا الدور قالت بطلة هذه القصة فاطمة غفران "قمت بدور الأم المجنونة المسلوبة والمتحققة تماماً في مواقع التواصل الاجتماعي والمشغولة بها عن أسرتها وعرضت رحلة تنقلها بين اليوتيوب والفيسبوك وغيره من المواقع على مدار اليوم، تلك الأم لا تهتم بأطفالها على الاطلاق وتترك كل منهم أيضاً يقوم بنفس ما تفعله دون أي رقابة أو متابعة أو حتى مشاركة، فيمكننا القول أنها في واد وصغارها في واد آخر تماماً". 
وأضافت لا تستطيع تلك الأم السيطرة على أطفالها من منطلق أنها نفسها تفقد القدرة تماماً في التحكم بوقتها الذي تمضي أغلبه على مواقع التواصل لنجدها أيضاً تدمنها وبالتالي لا تجيد الحديث مع أطفالها حول سلبياتها "الوالدين تركا مواقع التواصل الاجتماعي تربي أطفالهم بدلاً منهم لأن هذا الجيل بات على وشك الضياع نتيجة ما ألفوا على رأيته بمواقع السوشيال ميديا".
 
 
وعن تأثير القصة التي قامت بتمثيلها في المسرحية على الجمهور، قالت "سعينا لتقديم الأمر بشكل كوميدي لإدراكنا أن الدراما في العرض لن تأتي بثمار مشابهة للمشاهد الساخرة المضحكة وهو ما تم فعلياً على أرض الواقع".
وأوضحت "مثلاً الأم في أحد المشاغل تقوم بالطهو في مطبخها وتتحدث هاتفياً مع صديقتها وتتنمر على جارتها وتصفها بالإهمال وحرق وجباتها لانشغالها عن أسرتها وأثناء ذلك تجد أن طعامها قد احترق فهي لا ترى ما تصنعه بقدر ما تتحدث عن عيوب الآخرين، وفي مشهد آخر ابنها ينشغل مع أصدقائه ولا يرد على الهاتف وابنتها في سن المراهقة ولا تجد من تتحدث معه، أما الأب فهو كثير التحدث عن إهمال الموظفين لديه وفوضويتهم دون النظر ولو للحظة لما آلت إليه الأوضاع داخل منزله".
وأكدت بأن "الجيل الحالي يقع عليه الكثير من الظلم فهو بالفعل بات مستهدفاً من مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن هناك تعمد لإفراغ العقول من محتواها وتضييع الوقت والجهد فيما لا يجدي".
وترى أن سلبيات السوشيال ميديا تحتاج لأن توضع في عين الاعتبار فهي تؤدي لحالة من الاكتئاب والانطواء، فضلاً عن افتقاد الشغف لدرجة أن البعض لا يفكر حتى في تناول وجباته حتى لا يغفل عنها.
وأكدت بان للوالدين دور أساسي في التعامل مع هذا الواقع الافتراضي فبدلاً من التحول الكامل كما رأينا في "جيران بالألوان" وتدمير الأسرة على هذا النحو وجب الاهتمام بتفاصيل ما تقدمه تلك المواقع من محتوى وإيجاد بدائل آمنة لأطفالنا.
واختتمت حديثها بالقول "شعرت شخصيا بالأمر وبحجم التقصير ورأيت ذلك في أعين مشاهدي العرض لأنه بالفعل جانب من واقعنا الذي نحياه، فلا يخلو منزل من أحد المشاهد التي قدمها العرض المسرحي".