مدينة منبج... نموذج لتعدد وتنوع اللغات والحضارات

سيلفا الإبراهيم 
منبج ـ تمتزجُ الثَّقافات في شمال وشرق سوريا وتتنوع اللغات، مما يجعل هذه البقعة الجَّغرافية من الأرض موطناً لقدم وتنوع الحضارات، وها هي اللغات التي أوشكت على الاندثار تعود من جديد عبر الجمعيات التي تفتتح الدَّورات، وخير مثال على المُدن التي يطبق فيها هذا النموذج مدينة منبج. 
 
اللغة الكردية تُعطى في المدارس
تأسس مكتب اللغة الكردية بعد تحرير مدينة منبج في عام 2017، وافتتح دورات لكافة المراحل الأولى، والثَّانيَّة، والثَّالثة، ويعطي الخريجين دورات اللغة الكردية في المدارس، وذلك بعد إضافة لجنة التَّربيَّة والتَّعليم اللغة ضمن المناهج في عام 2016 ـ 2017.
وقالت الإدارية في مكتب اللغة الكردية إلهام أطاش، لوكالتنا عن أنهم لم يتمكنوا سابقاً من التّحدث باللغة الكُردية، لأنها كانت مُهمشة، وممنوعة من التداول، "من الحقوق الطبيعية أن يمارس الكردي لغته، لأنها دليل وجود الإنسان وعراقة تاريخه". 
ويهدف المكتب إلى نشر اللغة الكردية والعمل على تطويرها وتعليمها للأجيال بعد سنوات من الطمس الذي لاقته على يد الأنظمة التي تتالت على حكم المنطقة واحتلال مرتزقة داعش لها عام 2014.
وتضيف إلهام أطاش بأن الوضع تغير بعد تَّحرير المدينة "بات كل مكون قادراً على التَّحدث بلغته، وافتتاح الدَّورات، وبهذا تعرفنا على ثقافات المكونات الأخرى وعاداتها وتقاليدها". 
وتبين أنه ومع تخرج دورات مكتب اللغة الكردية لكافة المراحل، تأهلت معلمات ومعلمين لإعطاء اللغة الكردية في المدارس "نسبة كبيرة من الكرد تَعيش في منبج، لذا وجب إضافة حصة واحدة لها في المنهج الدَّراسي، فيحق لكل إنسان تعلم لغته الأم".
وتؤكد على الإقبال الكبير على تعلم اللغة الكردية، مما يدل على النّسيج الاجتماعي والثّقافي المتين السَّائد في المدينة "هناك نسبة جيدة من المكون العربي والتَّركماني تتعلم الكردية، وهذا مقياس على المحبة بين المكونات".
وتقول إلهام أطاش أن نسبة النَّساء المُقبلات على تعلم اللغة تفوق الرَّجال "المرأة اعتادت الرَّيادة والطّليعة ببناء المجتمع، كونها معلمة ومربية تحمل على عاتقها بناء الأجيال، لأنها حامية الثَّقافة".
 
الجمعية التَّركمانيَّة تُمثل المكون التَّركماني 
تقول العضوة في الجَّمعيَّة التَّركمانيَّة في مدينة منبج وريفها هناء محمد، أن الجَّمعيَّة التركمانية تأسست لخدمة الشَّعب التَّركماني "نعطي دورات بالتَّركمانيَّة لنحفظ ثقافتنا، ونستقبل كافة الفئات العُمرية من مختلف المكونات". 
وافتتحت الجمعية التَّركمانيَّة في 2018 بمدينة منبج، لتعمل على دعم وتمكين اللغة التّركمانيَّة المُهمشة.
وفي وقت سابق لم تكن هنالك جمعيات تركمانية تمثل هذه الفئة، وبعد تحرير منبج وتطبيق مشروع الأمة الدَّيمقراطيَّة، كانت المرة الأولى التي تفتتح فيها جمعية خاصة بهذا المكون، كما تبين.
وبالنسبة للطابع الذي تضفيه التَّعدديَّة على منبج "المدينة أشبه بلوحة تحتوي ألوان جميع المكونات، ولكل فئة رونقها الخاص، وعلى كل مكون أن يحيي ثقافته التي هُمشت عبر الزَّمن، ويعرف تاريخه"، وتقوم الجَّمعية بإعطاء الدورات والمحاضرات والنَّدوات عن تاريخ التّركمان.
 
اللغة الشَّركسيَّة حافظت على التَّراث والثَّقافة 
يوجد حالياً في منبج 150 عائلة شركسية، وكان العدد أكبر قبل هجرتهم نتيجة الصَّراعات الدَّائرة في المنطقة. 
والعضوة في ديوان الجَّمعية الشّركسيَّة تالين ضياء الدَّين، تقول أن مكونها تأثر بالسَّياسات بشكل كبير، "الطَّاعنون في السَّن هم أكثر من يتقن لغتنا، فهم الذَّاكرة الحافظة لتاريخنا، وجيلنا الجديد لا يتقنها بشكل جيد، بسبب الأزمات التي مررنا بها، مما أثر على ثقافتنا بشكل كبير".
وبعد افتتاح الجَّمعية الشًّركسية أولي اهتمام كبير للغة، والحديث لتالين ضياء الدَّين "نريد إعادة إحيائها وترسيخها في عقول أطفالنا للحفاظ عليها من الاندثار، وهذا ما شهد إقبالاً كبيراً من قبل الأهالي", وتشهد هذه اللغة إقبالاً من المكونات الأخرى بدافع التَّعرف على الثَّقافة الشَّركسية. 
وافتتحت الجَّمعيَّة الشَّركسيَّة في 14 آب/أغسطس 2017، بمناسبة الذكرى الأولى لتحرير مدينة منبج.
وتوضح أن فترة سيطرة النَّظام السَّوري لم تخلو من وجود الجّمعيات الشَّركسيَّة، إلا أنها لم تكن تلقى الدَّعم والتَّشجيع كما هي الآن "مشروع الأمة الدَّيمقراطيّة يُشجع على إحياء الثَّقافات، ونحن وجدنا هذه فرصة لذلك يجب أن نستغلها، فهذه الجمعية هي البيت الثَّاني للشركس".
وتعبر عن حماسهم لإعادة إحياء اللغة الشَّركسيَّة وبالتالي إعادة نشر الفلكلور الشَّركسي "كادت لغتنا أن تنحل في السَّنوات الأخيرة، لكننا أصرينا على التَّكلم بها". 
وتفتتح الجَّمعيَّة الشَّركسيَّة دورات اللغة خلال العطلة الصَّيفيَّة لمختلف الفئات العُمريَّة، بإشراف عضوات وأعضاء الجَّمعيَّة، ويستمر التَّدريب فيها خلال فترة افتتاح المدارس في أيام العُطل.