دليشان إيبش... شهيدة الكلمة الحرة

دلال رمضان
كوباني ـ سعت الشهيدة دليشان إيبش وهي واحدة من النساء اللواتي سرنَّ على طريق الحرية والحقيقة فعلى مدى مسيرة حياتها عملت من أجل إظهار الحقيقة. شقيقتها شيرين قالت إن الشهيدة لم تحقق جميع أحلامها وآمالها التي كانت تسعى إليها إلا أنها نالت مرتبة الشهادة.
 
من هي دليشان ايبش؟ 
ولدت دليشان إيبش في مدينة كوباني بشمال وشرق سوريا عام 1992 في أسرة وطنية مناصرة لحركة التحرر الكردستاني مؤلفة من 7 أخوات وأخين والدها هو رفعت إيبش ووالدتها شمسة محمد علي، والشهيدة هي البنت السادسة من بين اخوتها، درست المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدارس كوباني، ومن ثم انتقلت إلى مدينة حلب لتسجل في معهد إدارة الأعمال لتدرس فيها مدة عام فقط، وتوقفت مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وثورة روج آفا في 19 تموز/يوليو 2012 لتعود إلى مدينة كوباني. 
 
 
تقول شيرين إيبش أخت الشهيدة دليشان "لقد كبرنا وترعرعنا في كنف عائلة وطنية محبة للقضية الكردية ومدافعة عنها وهو السبب الذي أثر على شخصية دليشان منذ طفولتها، وزاد تعلقها بالوطن وبالقضية الكردية، لقد كانت فتاة هادئة جداً تحب كل من حولها وخاصةً أصدقائها في العمل، وكانت تحب عملها بشكل كبير".  
 
بداية انخراطها في المجال الإعلامي 
بدأت العمل في المجال الإعلامي وكانت تعمل كمذيعة ومن ثم إدارية لراديو صوت كوباني في عام 2013 وهي من المؤسسات لصوت راديو كوباني، والذي حققت فيه نجاحاً بالرغم من الصعوبات التي كانت تواجهها وقلة الخبرة والإمكانيات.
وفي عام 2014 وأثناء مهاجمة مرتزقة داعش لمدينة كوباني أجبرت عائلتها على الخروج بعد اشتداد المعارك وخوفاً من وحشية وبطش المرتزقة اتجهت نحو شمال كردستان في أورفا لتبقى دليشان إيبش وحدها في المدينة مع مجموعة من زملائها الإعلامين الذين كانوا يغطون أحداث الحرب الدائرة في مدينتهم.  
وبعد 20 يوماً من الحصار أجبرت دليشان ايبش على الخروج من مدينتها لتتجه إلى شمال كردستان بحثاً عن عائلتها، ولكنها واجهت السجن من قبل الدولة التركية وبدأت إضراباً عن الطعام مع مجموعة من رفاقها السجناء لمدة 18 يوماً وبعدها تم الإفراج عنها بعد تدهور حالتها الصحية، وذهبت إلى عائلتها والتقت بهم بعد غياب طويل، ولكنها لم تتحمل الغربة لتعود مع ابنة عمها وإحدى شقيقاتها إلى مدينة قامشلو قبل تحرير كوباني من المرتزقة.
واستمرت في مجال العمل الإعلامي في راديو صوت جودي ومن ثم عادت إلى مدينة كوباني بعد تحريرها عام 2015، لتعمل في راديو صوت كوباني وتدرب مجموعة من أصدقائها على العمل، ومن ثم عادت إلى مدينة قامشلو من أجل العمل في فضائية روناهي لمدة شهرين، ومن ثم عملت مع وكالة أنباء هاوار كمراسلة حربية عام 2016 وشاركت في جميع حملات قوات سوريا الديمقراطية ضد مرتزقة داعش في كل من صرين، منبج، الطبقة والرقة وآخرها حملة "عاصفة الجزيرة " في دير الزور. 
تقول شقيقتها "عندما تأتي في إجازة كانت تشاركنا الحديث حول ما شاهدته أثناء تغطيتها الحملة والصعوبات التي تواجههم والخطر المحدق بهم بكل بساطة ودون خوف، عندما كنت أسألها ألا تخافين من الموت أو أن تخسري أحد أعضائك تجيبني بالقول لا أخاف من الموت وسأكون سعيدة إذا استشهدت من أجل إظهار الحقيقة ودفاعاً عن الحرية".  
 
بإرادتها القوية شاركت في جميع الحملات ضد مرتزقة داعش 
ناضلت دليشان إيبش بإرادتها القوية وبقلمها وكاميراتها في جميع جبهات القتال الأمامية ضد مرتزقة داعش على مدى 6 أعوام من مسيرتها الإعلامية وتابعت جميع حملات قوات سوريا الديمقراطية ضد فكر وظلام داعش الذي عاث فساداً في المناطق التي سيطر عليها، وكافحت من أجل إظهار الحقيقة بدءاً من مقاومة كوباني وصولاً إلى حملة تحرير مدينة منبج، ثم الطبقة والرقة وآخرها كانت حملة عاصفة الجزيرة بدير الزور والتي كانت آخر معاقل المرتزقة، ولعبت دوراً فعالاً في سبيل إظهار صوت المرأة الحرة وإيصاله إلى العالم.  
وأوضحت شيرين إيبش بأنها كانت تستغرب دائماً من القوة والإرادة والعزيمة التي كانت تمتلكها شقيقتها وشجاعتها في مواجهة الخطر وخاصة هجمات مرتزقة داعش الذي كان يستهدف النساء بشكل مباشر، ولكنها لم تتردد يوماً وكانت تواصل عملها بكل حب وثقة.
قالت شيرين إيبش أن شقيقتها وقبل أيام من استشهادها عادت من مدنية قامشلو إلى كوباني بسبب وفاة عمها وبعد 10 أيام من وجودها بين أسرتها قررت العودة إلى قامشلو والتوجه إلى دير الزور لمواصلة مجريات المعارك التي كانت تجري بين قوات سوريا الديمقراطية ومرتزقة داعش "لم نكن نعرف أنه كان اللقاء الأخير الذي يجمعنا بها وأنها سوف تفارقنا بهذه الطريقة دون وداع ودون تحقيق أهدافها التي كانت تسعى إليها من حيث تطوير نفسها، واستمرت بعملها بالرغم من أن والدتي كانت دائماً تنصحها بالابتعاد عن الأماكن الساخنة للحرب خوفاً عليها". 
وأردفت شيرين إيبش "على الرغم من أنها دائماً كانت تتمنى الشهادة إلا أنها وفي آخر مرة كانت معنا طلبت من أمي الدعاء لها من أجل ألا تستشهد قبل أن تكمل عملها... لقد كان لديها احساس بأنها سوف تستشهد وهذه المرة الأخيرة التي تودعنا فيها ومازال لديها الكثير من الأمنيات والآمال والأهداف التي لم تحققها بعد". 
وبعد خمسة أيام من ذهابها إلى مدينة قامشلو توجهت إلى دير الزور، لم تتكلم مع عائلتها ولم تخبرهم بأنها ذاهبة إلى جبهات القتال الأمامية "لم تخبرنا أنها موجودة في دير الزور فقط بعثت رسالة لأخي المتواجد خارج البلاد، ولم نكن نعرف عنها أي شيء، وبعد عدة أيام من ذلك سمعنا نبأ استشهادها مع اثنين من رفاقها أثناء تغطية الأحداث ومساعدة النازحين".
واستشهدت دليشان إيبش في 12 تشرين الأول/أكتوبر عام 2017، مع اثنين من رفاقها وهم هوكر محمد ورزكار دنيز، نتيجة تفجير إرهابي استهدف المدنيين الفارين من مناطق دير الزور نتيجة الاشتباكات بين قوات النظام ومرتزقة داعش على طريق خرافي الواصل بين مدينتي الحسكة ودير الزور، حيث كان مراسلو وكالة أنباء هاوار يتابعون سير المعارك في حملة غضب الفرات وأوضاع المدنيين.
بعد عدة أيام وإصرار العائلة لمعرفة مصير دليشان إيبش عرفوا من أصدقائها بأنها استشهدت وهي تحاول مساعدة النازحين "لقد كانت ليلة عصيبة وشكل نبأ استشهادها صدمة لنا ولم نصدق الخبر وخبأنا خبر وفاتها عن والدينا يوماً كاملاً"، وأضافت "لم نستطيع إقناع أنفسنا بأنها استشهدت لعلنا نسمع خبر مفرح عنها وأن يكون الخبر مجرد إشاعة، وإلى اليوم وبعد مرور 4 أعوام على استشهادها ما زلت انتظر مكالمة هاتفية منها لتخبرنا بأنها بخير ومازالت على قيد الحياة". 
وفي ختام حديثها قالت شيرين إيبش "لقد رحلت مبكرةً عنا ولم تستطع تحقيق جميع أحلامها. 12 تشرين الأول ذكرى مؤلمة لعائلتنا، لقد كانت تحب أصدقائها في العمل وفي أيام استشهادها حزن عليها رفاقها أكثر منا وفي كل عام يستذكرونها من خلال زيارة ضريحها في مقبرة الشهيدة دجلة".