معتقلات سري كانيه يكشفن الستار عن المحظور

سري كانيه ـ لأسباب وحجج لا تمت للواقع أو الحقيقة بصلة قبعت العديد من نساء رأس العين/سري كانيه في شمال وشرق سوريا في معتقلات الاحتلال التركي، تعرضن فيها لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي وأسوء أشكال المعاملة وأسوأ أنواع الانتهاكات الصارخة بحق المرأة في مدينة لم يعد للعدالة والقانون مكان فيها، بل باتت مرتعاً للخطف والتعذيب.
لم تميز سجونهم ومعتقلاتهم بين الكبير والصغير أو بين الرجل والمرأة، بل كان هدفهم استغلال الغفلة التي ينعم بها العالم عموماً والمجتمع الدولي خصوصاً لإطفاء نيران أحقادهم، فبدأوا بالصغير قبل الكبير وبالمرأة قبل الرجل فزجوا بهم في المعتقلات لتأكل سياط الحقد من أجسادهم بهدف إجبارهم على الإدلاء باعترافات كاذبة أو لتأييد تهم ملفقة أو لجعلهم عبرة لكل من يحاول عصيان أوامرهم وقوانينهم.
وفي هذا السياق كان لوكالتنا حديث مطول مع (ب.ن) أم لثلاثة أطفال تبلغ من العمر 35 عاماً، وهي إحدى النساء اللواتي كن يقبعن في سجون المرتزقة، تقول "لم نكن نعلم أن حياتنا ستتحول للأسوأ بعد أن احتلت تركيا ومرتزقتها على مدينة رأس العين والمناطق التابعة لها، وإغلاق كافة المعابر المؤدية إليها لعزلها عن العالم حتى يموت من بقي فيها بسبب الجوع والأمراض حيث لا خبز لا ماء ولا كهرباء ولا حتى عناية طبية جيدة، فالأمراض نهشت اجسادنا ولا علاج لذلك، لم نعد نستطيع تحمل المزيد"، وتتساءل "إلى متى سيدوم هذا الحال؟ لا نريد حياة كريمة من أجلنا نحن الكبار بل نريدها لأطفالنا الذين باتوا ينامون جياع لأيام وليالي، ففي بداية سيطرتهم على المنطقة نهبوا كل خيراتها حتى يجعلوا شعبها يركع لهم ولاطماعهم". 
وعن سبب اعتقالها تقول "طفح الكيل والوضع لم يعد يحتمل السكوت لذلك قررت مع عدد من النساء أن نقصد أحد مراكزهم للمطالبة بتحسين الحياة المعيشية، وكنت أعلم حجم خطورة هذه الخطوة لكن الشي الذي لم أعلمه أن حياتي ستتحول للأسوأ"، وتابعت كلامها وهي تدلك جبتها بيديها المرتجفتين والتوتر بات واضحاً عليها "سمحوا لنا بالدخول بعد أن اخذوا منا بطاقاتنا الشخصية وهواتفنا المحمولة وكأننا سندخل ولن نخرج، وهذا ما حصل بعد أن سمحوا لنا بعرض مطالبنا، لقد اتهمونا بالتحريض وإثارة المشاكل، وقال أحدهم بأسلوب ساخر (أنتن تردن الحرية تردن أن تكن حاكمات على أزواجكن والمجتمع، ألا يكفي أننا نوفر لكم الأمان والحماية، أنتم تريدون أكثر مما تستحقون)، وبعد انتظار دام أكثر من ثلاث ساعات كنا ننتظر فيها أن يقدموا لنا حلاً قاموا باقتيادنا إلى مركز آخر، كنا نعتقد أننا سنتناقش مع شخص آخر بشأن مطالبنا، لم نكن نعلم أننا رهن الاعتقال وأننا في طريقنا إلى المكان الذي سيجعلوننا ننسى ما جئنا من أجله والقبول والتسليم بالوضع الراهن".
وبكلمات جريئة لم تأبه لسجانها قالت "لم تكن فترة مكوثي في معتقلهم طولية كانت أربعة عشر يوماً بالتحديد ولكن على مدى هذه الفترة القصيرة تعرضت لأكثر مما قد يتعرض له معتقل محكوم عليه بالسجن مدى الحياة، فهم لم يتركوا لحظة واحدة من هذه المدة تمر دون أن يعرضوني لإساءة أو ضربة بسياط أمام جميع المعتقلات أو حتى اسماعي كلمات نابية بهدف تحطيم نفسيتي وإذلالي، جعلوني أعيش الدقيقة بألف سنة، جعلوني أتمنى الموت عندما تحدثوا أمامي عن أطفالي وأن بمقدورهم الوصول إليهم وإلحاق الأذى بهم، كما هددوني بأنه سيتم ترحيلي إلى تركيا حيث سأقضي بقية حياتي في سجونها دون أن يعلم أحد من عائلتي بمكان وجودي، كانت تلك أبشع أنواع التعذيب النفسي التي يمكن أن يتعرض لها أي إنسان كل ذلك فقط لأننا طالبنا بما هو من حقنا وحق أبنائنا، جعلوني أتأكد أن مدينة رأس العين لم تعد البيئة الآمنة التي تحترم فيها المرأة أو مكاناً لتحقق فيه كل ما تحلم به أو تسعى إليه".
ولم تكن (ب.ن) الوحيدة التي قبعت في ذلك المعتقل كما تقول؛ "لم نكن الوحيدات في ذلك المعتقل اقصد أنا ومن جئن برفقتي، فقد رأيت العديد من النساء المعتقلات اللواتي تتعالى أصوات صرخاتهن لشدة ما يتعرضن له من تعذيب، ومن المعروف أن سجون النساء يجب أن يكون المسؤولين عنها نساء لكن السجن الذي قضيت فيه أيامي الأربعة عشرة لم يكن كذلك، بل كان عناصر المرتزقة والفصائل الموالية للاحتلال التركي هم المسؤولين عن التحقيق وتنفيذ أنواع التعذيب خلال التحقيق سواءً الضرب بالسياط أو العصي أو حتى التعذيب النفسي".
بابتسامة هزلية أغلقت (ب.ن) جرحها وقالت "لا أصدق أنني اليوم في منزلي وبين أطفالي وأهلي كان الإحساس بهذا الشعور حلم صعب المنال، فقد تم الإفراج عني بعد أن قام زوجي وأحد أقاربه بدفع مبلغ من المال مقابل إزالة اسمي من قائمة المحرضين على إثارة الفتنة على حد قولهم، فسلطتهم هي أن يدفع المواطن للدولة لا العكس، وقبل أن يتم الإفراج عني قال لي أحدهم ستكونين درساً وعبرة لغيرك، بكلماته هذه أوضح أنه يجب عليّ أن التزم الصمت حتى اتمكن من العيش والبقاء مع عائلتي".
أما (ه.ج) البالغة من العمر 43 عاماً لم تقبل في بادئ الأمر التطرق لما عاشته في سجون ومعتقلات المرتزقة، بسبب التشوهات والحروق التي لحقت بوجهها أثناء خضوعها لإحدى جلسات التحقيق وهي تضع اللثامة على وجهها دائماً، "لم أعد استطيع الخروج من البيت أو حتى التحدث مع الناس، فوجهي بات مشوهاً تماماً حتى الأطفال يخافون مني عندما يرونه، لم يكن كذلك قبل انفجار سوق الهال التابع للمدينة في صيف العام الماضي، الانفجار الذي راح ضحيته عشرات الأشخاص بينهم نساء، وبعد هذا الحادث المروع والأليم بعدة أيام مررت بأحد الحواجز عندما قصدت المدينة فبطبيعة عملي، اذهب كل يوم تقريباً إليها، هذه المرة اختلف الأمر فقد بدت أسئلتهم كثيرة وفي نهاية المطاف أمروني بالنزول من السيارة والتوجه معهم لاستكمال التحقيق".
وقالت "اقتادوني إلى أحد محال السمانة التابع لهم في سوق المدينة شعرت بالخوف والذعر فالأمر لم يعد سؤالاً وجواب، طلبت منهم السماح لي بالذهاب بحجة أنني تأخرت على عملي، فقام أحدهم برفع سلاحه في وجهي وقال لي إذا كنت تريدين الموت أخرجي من هذا الباب، انتابني الشعور بالخوف أكثر فالتزمت الصمت، وبعد أكثر من ساعة ونصف جاءت سيارة تابعة للمرتزقة وقاموا باقتيادي إليها حاولت في هذه الأثناء الهروب لكنهم كانوا كثر وبدأت بالصراخ لكن لم يستطيع أحد مساعدتي لأنهم يحملون أسلحة والقتل خيارهم الأول".
حاولت (ه.ج) استجماع قوتها خلال حديثها لكن الكلمات لم تسعفها وبدأت بالبكاء "اخذوني إلى بناء مؤلف من ثلاث طوابق وحوله القليل من المنازل لم استطع التعرف على المكان، قد يكون ذلك بسبب الخوف الذي انتابني فلم أكن أفكر سوى بالهروب والعودة إلى أهلي أو حتى ما هو السبيل ليصلوا هم إليّ وإخراجي منها".
وتابعت حديثها قائلةً "تركوني في غرفة كان فيها خمسة نساء لا أعلم ما هي التهم الملفقة لقهن، وبقيت إلى اليوم التالي لا أعرف لم أنا موجودة في هذا المكان، حتى جاء أحدهم ونادى باسمي كنت اعتقد أنني سأخرج، لكنه قام باقتيادي إلى غرفة أخرى مجاورة حيث كان أحدهم ينتظرني وهو يحمل في يده بعض الصور، لم أكن اعلم أنها لي حتى وضعها أمامي وقال هل تعرفينها فقلت هذه أنا قال أي أنك تعترفين، بأي شيء سأعترف هكذا أجبته فقام برشق الماء الساخن على وجهي، لم استطع وضع يديّ على وجهي لأنهما كانتا مكبلتين لذلك بدأت بالصراخ لكن لم يسمع صوتي أحد، أما عن صوري التي بحوزته فلسوء حظي كنت قد تواجدت بالقرب من السوق قبل الانفجار بيوم واحد وتم التقاط بعض الصور لي، وتم إدراج اسمي على قائمة المشتبه بهم الذين قاموا بالتفجير".
وأما عن المدة التي قضتها في المعتقل فتقول "لا أتذكر الفترة بالتحديد فقد تشابه الليل والنهار لديّ لأنني كنت اقضي أيام الاعتقال في قبو أسفل البناء، لقد قتلنا الجوع والعطش فقد كانوا يقدمون لنا وجبة واحدة في اليوم، كما أنني أعاني من أمراض تنفسية مزمنة والقبو لم يكن يتوفر فيه الكثير من الهواء، قوبلت كل طلباتي بإخراجي إلى مكان آخر يتوفر فيه الأوكسجين لم يكترثوا لأمري حتى أصبت بمرض الربو لم يقدموا لنا أي خدمات طبية".
وعن السبب الذي تم الإفراج عنها بموجبه تقول (ه.ج) "عندما بدأت عائلتي بالبحث عني علموا أنني رهن الاعتقال لدى المرتزقة بعد مرور أكثر من أربعة أشهر بحسب ما أخبرني به أخي، حاولوا بشتى الطرق الوصول إليّ وإخراجي وفي كل مرة يقولون لهم أنه تم ترحيلي إلى تركيا كوني من أبرز المشتبهين بهم، وبعد محاولات عديدة قام بها أهلي استطاعوا معرفة مكاني لكنهم لم يسمحوا لهم برؤيتي، وذات يوم وبنفس الطريقة التي تم فيها اقتيادي إلى هذا المكان قام أحدهم بإيصالي إلى السيارة حيث تم تركي في سوق المدينة وكان والدي وأخي بانتظاري، لأفهم منهم لاحقاً أنهم قاموا بدفع ما يزيد عن 22 مليون ليرة سورية مقابل إطلاق سلاحي".
والجدير ذكره أن تركيا ومرتزقتها شنت هجوماً على مدينة رأس العين/سري كانية شمال مدينة الحسكة في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2019، واحتلتها بعد مقاومة أبداها أهالي المدينة وقوات سوريا الديمقراطية.