فاطمة بن فضيلة: تجربتي مع مرض السرطان جعلتني أتأكّد من أنّ الكتابة علاج

زهور المشرقي
تونس ـ "إن الشعر يولد من وحي الألم، بعد تجربتها مع مرض السرطان التي قوّتها وجعلتها تتأكد من أنّ الكتابة علاج، والعمل يساعد على الاستمرار والتعلّق بكل ما هو حياة. وأن الكتابة تحفّز الدماغ على الإنتاج وتعطي شحنات إيجابية تقوي الجسد وتساعده على المقاومة" تقول الشاعرة التونسية فاطمة بن فضيلة صاحبة 4 دواوين شعر، وآخر تحت الطباعة، ورواية، كما أنها ترجمت ثلاث دواوين شعر لشعراء آخرين إلى اللغة الفرنسية.
الشاعرة فاطمة بن فضيلة من مدينة مكثر بمحافظة سليانة بالشمال الغربي التونسي، وهي من مواليد العاصمة تونس ودرست بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار. حدثتنا عن تجربتها مع مرض السرطان خلال حوار أجرته وكالتنا وكالة أنباء المرأة معها.
 
ما حكاية الحب الذي يتسلل كل قصائدك، ما السر؟
أنا لا أكتب عن الحب بل أكتب في الحب بمعنى الحب كإطار، كأرضيّة، كنبع وكحاضنة لكلّ ما هو إنساني. قديما كُتب في الحب كغرض من أغراض الشعر العربي، لكن الحب بالنسبة لي ليس غرضاً نقرر الكتابة فيه كبقية الأغراض الشعرية الأخرى، أنا أكتب من داخل الحب، عن المرأة والوطن والمفقّرين ومريضات السرطان والعاملات بالفلاحة وتلاميذ المدارس. أكتب من داخل الحب عن شاحنات العمال المنزلقة والبنات الغارقات في الوحل والنفايات، أكتب عن عقد الياسمين يتأرجح في جيد صبية عاشقة على مدارج سيدي بوسعيد، أكتب من داخل الحب عن شاب لم تخطئه رصاصة قناص فعاد محمولا إلى أمه، أكتب من داخل الحب عن أمي تسوّي أقراص خبز الطابونة كي نلبس وندرس ونأكل. لا أستطيع أن أتحرّك خارج دائرة الحب فهو متصل بكلّ ما هو منفصل. 
 
برغم التعب والمرض تظّل فاطمة بن فضيلة صامدة وتكتب بل تبدع وتبهرنا... من أين تستمدين قوتك اللطيفة؟
أنا لا أكتب لأنّني قوية بل أنا قوية لأنّني أكتب، تجربتي مع مرض السرطان جعلتني أتأكّد من أنّ الكتابة علاج والعمل يساعد على الاستمرار والتعلّق بكل ما هو حياة. الكتابة تحفّز الدماغ على الانتاج وتعطي شحنات إيجابية تقوي الجسد وتساعده على المقاومة، وأنا أقاوم المرض بالحرف. أذكر حين كنت أخضع للعلاج الكيميائي بجرعات قوية من شباط/فبراير حتى آذار/مارس 2017 وفقدت كل قواي وجهدي وكدت أستسلم، أني كنت أرنو إلى طاولة العمل والحاسوب وأتمنى أن أتمكّن من إتمام ترجمة ديوان شعري بدأته قبل مرضي، كان الأمر يبدو مستحيلاً لكنني فعلتها ذات صباح، قررت أن أقف على قدميّ وأن أجلس قبالة حاسوبي وأن أترجم. أنقذني الشعر حينها، أنقذتني الترجمة، أنقذني العمل، تمسّكت بالحرف وتسلّقت الجرف الذي كاد يبتلعني. قوّتي أستمدّها من الإيمان والحب، الإيمان بما أكتب.
 
قلت في أحد إصدارتك إن "حمالة صدر بعين واحدة"، هي ضفة أخرى حملتك إليها تجربتك مع سرطان الثدي، وهذه التجربة برغم مرارتها تعتبر بالنسبة لك منجم كتابة، حدثينا عن هذا الإصدار وهو صوت من لا صوت لهنَّ وقلم من لا حبر لهنَّ، كما قلت سابقا؟
"حمّالة صدر بعين واحدة" هي مجموعتي الشعريّة الخامسة بعد "لماذا يخيفك عريي" سنة 2003، "من ثقب الروح أفيض" 2006، "أرض الفطام" 2016، "مزارع السكر" 2021، وهو الكتاب التاسع مع الترجمات والرواية. 
عادةً لا أتعجّل النّشر وقد أمضي من أربع إلى خمس سنوات بين إصدار وآخر لكن "حمّالة صدر بعين واحدة" الذي سيصدر قريباً أي في نفس سنة إصدار مزارع السكر، ليس كتابي وليس من حقي أن أؤجّل نشره، هو كتاب نساء أخريات، يقاومنَّ بصمت وينتصرنَّ بصمت وبعضهنَّ يرحلنَّ بصمت.
تجربتي مع السرطان جعلتني أكتشف عالماً آخر لم أكن أعرفه، عالم من التعب اليوميّ والكفاح المستمر والتشبث بالحياة في أبهى صورها، لتتخيّلوا فقط امرأة تأتي من محافظة توزر جنوب تونس مرة في الأسبوع إلى مركز علاج السرطان بمحافظة أريانة بالعاصمة تونس لتَلقّي جرعة الدواء، الدواء الذي لا يتوفر دائماً وتنتظر خمس ساعات حتى يجمع لها الأطباء قطرات من الأدوية المتبقية، تقطع 600 كم بالنقل العمومي كل أسبوع وتنتظر دورها لساعات طويلة ولا تمل ولا تيأس، ومثلها كثيرات. هذا الكتاب ليس لي، إنّه لهنَّ، هو صوتهنَّ، صوت الواقفات، صوت المبتسمات برغم القهر، صوت اللواتي رحلنَّ لشحّ في الدواء ولأنّ المافيات قرّرت التلاعب بأعمارهنَّ.
 
واقع الشاعرة التونسية اليوم كيف تقيّمينه؟
طبعاً تقييمي سيكون انطباعياً فأنا لم أطّلع على المنجز الشعري النسائي في تونس ما عدا القليل، ولا أدّعي امتلاك أدوات النقد التي تخوّلني الإدلاء بتقييم موضوعي وعلمي، أسوق فقط بعض الملاحظات العامة بهذا الشّأن أوّلاً ظهور وسائل التواصل الاجتماعي كان سيفا ذا حدين، فمن ناحية مكّننا من اكتشاف أصوات شعرية هامة ومميزة ومختلفة ستترك بصمتها في الساحة الشعرية التونسية، خاصة في قصيدة النثر، ومن ناحية أخرى فتحت هذه الوسائل المجال أمام جحافل من المدعين والمدعيات الذين لا علاقة لهم بالكتابة أصلاً. ثانياً مساحة حرية التعبير التي منحتها الثورة للشاعرات مثلما منحتها لغيرهنَّ في مجالَيْ الكتابة والإعلام كانت شرارةً لهذا الكم الهائل من القصائد التي تنكأ جراح الوطن وتتغنى بالمفقرين والكادحين. 
وبرز بشكل جليّ الشعر النسائي الرافض وخرجت العديد من الأصوات الشعريّة النسائية عن صمتها وخنوعها واستسلامها لما هو مفروض من عادات وتقاليد وسياسات، هناك من يرى في هذا الانفجار الشعري النسائي في تونس مسألة سلبيّة لكنني أرى الأمر برمّته إيجابياً، فحتى إن اختلط الغث بالسمين فالطبيعة كفيلة بالغربلة، ولن يبقي الزمن إلا أصواتاً حفرت لنفسها مساراً مختلفاً مدهشاً صلباً. 
 
بعد عشر سنوات من الثورة، حققت المرأة التونسية مكاسب تشريعية جديدة، في حين أنها تخوّفت من ضياع أخرى، كيف تقيّمين وضع المرأة في تونس اليوم وهل باتت مكاسبها مهددة؟
صحيح أنّ وضع المرأة التونسية ومنذ صدور مجلّة الأحوال الشخصية في أغسطس 1956 التي منعت تعدد الزوجات وأعطت الحق للمرأة في التعليم والعمل يعتبر وضعاً رائداً بالمقارنة مع وضع النساء عربيّاً وعالمياً، لكن كل هذه الحقوق لم تحمي المرأة التونسية من العنف بجميع أشكاله، العنف المادي والعنف المعنوي والعنف الاقتصادي والتمييز المسلّط عليها في مواقع العمل والبيت والشارع، وكانت الثورة فرصة لا تتكرر لاستكمال حقوق المرأة وتحقيق المساواة بينها وبين الرجل، فخرجت النساء في الصفوف الأولى من المظاهرات قبل 14 كانون الثاني/يناير2011، خرجت النقابيات من دور اتحاد الشغل بتونس الكبرى ومدن الداخل بالمحافظات والتحمنَّ بالشعب في رفضه ومطالبه. وبدأ النضال والاحتجاج والتحركات النسائية بعد 14 يناير للمطالبة بتحقيق جملة من المطالب التي ترتقي بوضع المرأة، فجاء رفع التحفظات الخاصة باتفاقية "سيداو"  سنة 2014 وفي سنة 2017 أقرّ البرلمان التونسي قانوناً يتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، لكن هذه القوانين تبقى مثالية في جانبها النظري، عصية على التطبيق على أرض الواقع لأنّ التطبيق الفعلي يتطلّب تنسيقاً فعلياً بين المؤسّسات وتركيز برامج دقيقة، وقبل كلّ شيء رغبة سياسية حقيقية في التطبيق وهذا ما افتقدناه في تونس طوال العشر سنوات الماضية، بل إنّ الوضع أسوأ من ذلك بكثير فالقوى الرجعية تسعى وبكل طاقاتها وأساليبها إلى سحب المكتسبات القديمة وإعادة المرأة إلى المربعات الأولى من التمييز والاضطهاد.
لكن ورغم ذلك لتبقى أصواتكنَّ مرتفعة وقاماتكنَّ منتصبة، فلا يزال الطريق طويلاً وشائكاً. 
 
مَن مِن الشعراء الأقرب إلى نفسك والذين كان لهم تأثير على مسيرتك الإبداعية؟
في الشعر، لا تشدّني الأسماء بقدر ما تشدّني النصوص. قد تأسرني قصيدة لشاعر مغمور بدون أن يكون له اسم برّاق، والأكيد أنّني وكجلّ أبناء جيلي تأثّرت في بداياتي وأنا تلميذة لم أتجاوز الخامسة عشرة من عمري بقصائد نزار قباني عن المرأة والحب والمراهقة، ثم سحبتني قصائد محمود درويش إلى الأعمق ثم بدأت أكتشف قصائد من الضفة الأخرى: لويس أراغون في بعده الإنساني، أزهار الشر لشارل بودلير، قصائد الشاعر الغامض أرتور رامبو، قصائد جاك بريفر البسيطة المنسابة النفاذة، قصائد الزنوجة لليوبولد سنغور وإيمي سيزار.  نعم طوّح بي شعر كثيراً ولايزال، وانزلقت من قصيدة التفعيلة التي كتبتها في كتبي الثلاثة الأولى نحو كتابات أدونيس وخليل حاوي وانسي الحاج وصلاح فائق وغيرهم من رواد ودعاة قصيدة النثر بجنونها وشواسعها، لكنني أحاول النأي بنصّي عن كل التأثيرات، أريد نصاً يشبهني، نصاً يقوّلني ويقوّل الآخرين على طريقتي وجنوني.