الحجر الصحي يرفع نسبة العنف الأسري في لبنان... فهل من حلول؟

كارولين بزي
بيروت ـ على الرغم من إقرار قانون العنف الأسري في لبنان منذ العام 2014 وإدخال تعديلات أوصت بها المنظمات النسائية في كانون الأول/ديسمبر 2020، إلا أن مستوى حالات العنف الأسري ارتفعت في لبنان في ظل الحجر الصحي بسبب انتشار وباء كورونا إلى أكثر من 96 %.
ولكن بداية 2021 كانت أسوأ من سابقاتها، إذ شهد الشهر الأول من العام الحالي وقوع عدد من جرائم العنف الأسري في لبنان أودت بحياة عدد من النساء ونجاة إحداهن بأعجوبة.
 
"كورونا أجبر النساء على البقاء تحت سقف واحد مع المعنف ما زاد من العنف الأسري" 
تقول المديرة التنفيذية بالشراكة في منظمة Fe-Male عليا عواضة لوكالتنا وكالة أنباء المرأة "سجلت حالات العنف الأسري في لبنان سواء التعنيف الجسدي أو جرائم القتل رقماً مرتفعاً في السنوات الأخيرة"، وتضيف "لكن بسبب جائحة كورونا ارتفعت هذه النسبة في كل دول العالم. في ظل التعبئة العامة في لبنان والحجر المنزلي أصبحت المرأة المعنَفة تعيش تحت السقف نفسه مع المعنِف ولم يعد أمامها فرصة للهروب، وباتت تتعرض للضرب المتكرر وصولاً إلى القتل في بعض الأحيان". 
"أرقام القوى الأمنية تشير إلى أن نسبة الشكاوى ارتفعت، وتؤكد المنظمات النسوية أن هناك ارتفاعاً كبيراً يصل ببعض الأحيان إلى 180 % من الاتصالات التي تطلب الحماية من العنف الأسري"، وفق ما أكدت عليا عواضة.
وتوضح "كورونا كان سبباً أساسياً، ولكن ما مدى جاهزية القوى الأمنية بالوقت الحالي؟ نرى أن هناك بلاغات عالية ولكن ما هي الإجراءات التي تتخذها القوى الأمنية؟ لغاية اليوم لا جواب حول الإجراءات التي اتخذتها القوى الأمنية لترفع من جهوزيتها بهذا المجال. هل زادت عدد الدوريات الخاصة بالاستجابة للعنف الأسري وكيفية التعامل معها في المخافر وغيرها من الإجراءات؟".
 
"الإعلام لعب دوراً سلبياً من خلال إفساح المجال للمجرمين لتبرير جرائمهم" 
تقول عليا عواضة "أفسح الإعلام اللبناني المجال للمجرمين للقيام بتبرير جرائمهم، عندما نقول جريمة قتل يجب أن نتوقف عن التبرير، مثلاً إذا قام أحد الأشخاص بسرقة مصرف هل سبب السرقة سيخفض العقوبة؟ السرقة هي سرقة والقتل هو قتل إلا في حالة الدفاع عن النفس، وبالتالي لا يعنيني إذا كان يحبها أو لا، بالنهاية اتخذ قرار أن يُنهي حياة إنسان آخر، وبالتالي عليه دفع ثمن قراره وحسب قانون العقوبات تصل عقوبة القاتل إلى المؤبد أو السجن لعشرين عاماً"، وأضافت "على قنوات الإعلام ألا تفتح الهواء للقاتل لكي يبرر أسباب القتل، وكأن الجريمة باتت بحاجة لتبرير".
وتلفت إلى أن "التبرير يأتي دائماً في حالات قتل النساء، ويتم اللجوء إلى ربطها بالشرف والعرض وهذا أمر خطير جداً، لأنه يعطي صورة بأن المجرم يستطيع أن يفلت من العقاب في حال استعان بهذه التبريرات وبالتالي سيشجع رجال آخرين على القيام بالعمل نفسه، حتى أن بعض النساء يمكن أن يحجمن عن التبليغ لأنه لن يكون هناك نتيجة".
 
"قانون العنف الأسري اللبناني من الأفضل في العالم العربي"
فيما يتعلق بجدية قانون العنف الأسري، تؤكد عليا عواضة بأن "لا أعتقد أن هناك استخفافاً بقانون العنف الأسري وهو من أفضل القوانين في العالم العربي، ولاسيما بعد إدخال بعض التعديلات عليه في كانون الأول/ديسمبر 2020، لكن السيء هو بالمماطلة في القضاء اللبناني ببعض القضايا ولاسيما تلك التي تتحول إلى رأي عام، وفي بعض الأحيان تكون الاستجابة غير كافية من قبل القوى الأمنية، والإعلام أيضاً يلعب في بعض الأحيان دوراً سلبياً عندما يعطي التبريرات لهذه الجرائم".
وختمت المديرة التنفيذية بالشراكة في منظمة Fe-Male عليا عواضة حديثها قائلةً "على النساء أن يدركن بأنه عند التبليغ عن أزواجهن أو عن بعض أفراد الأسرة، عليهن أن يدركن أن وحشية هؤلاء الأشخاص سترتفع نتيجة التبليغ وبالتالي عليهن الامتناع عن التواجد مع هؤلاء الأشخاص في المكان نفسه بمفردهن". 
 
"يهمني أن أحمي النساء لا معاقبة المجرم"
المحامية في منظمة أبعاد دانيال حويك تقول "كلما تم إقرار قانون يتم التطرق حصراً إلى سلبياته ولا يتم تسليط الضوء على الإيجابيات". وتضيف "قانون العنف الأسري جيد منذ صدوره في العام 2014، والتعديلات لم تكن ذات أهمية وهي التعديلات التي أُدخلت إلى القانون في كانون الأول/ ديسمبر 2020. وبالتالي لا يمكن لأي شخص أن يسخّف هذا القانون أو يفرغه من مضمونه وكأنه لا توجد محاسبة أو عقاب". وتتابع "حتى عندما تقع جريمة يدّعون أن المجرم هرب ولن يتم إلقاء القبض عليه، المجرم أصبح معروفاً وسيتم توقيفه بالتأكيد وسيُسجن وسينال عقوبة مشددة".
واستغربت دانيال حويك تسليط الضوء دائماً على الجريمة فقط من دون الإضاءة على العقوبات، وتتابع قائلاً "كمحامية أريد تنفيذ العقاب ولكن من الناحية الإنسانية لا يهمني أن يُسجن القاتل أو أن يُعاقب ما يهمني أكثر أن أحمي المرأة قبل أن تتعرض للقتل".
وأكدت أن "حماية النساء تبدأ من خلال بث أخبار حول وجود ثقافة العدالة والقانون والعقاب، لا أن نقول بأن البلد متفلت من العقاب والعدالة مفقودة فيه". 
 
"من غير المقبول الترويج لمقولة أن القانون لا يحمي"
حول الطرق التي يمكن أن نحمي بها النساء تقول "كل واحد منا مسؤول من خلال خطابه. وأيضاً الإعلام مسؤول. مع صدور قانون العنف الأسري وكذلك قانون التحرش تم الإشارة في الإعلام إلى السلبيات، وهوجما من دون قراءتهما فنحن أمة لا تقرأ بل تعتمد على القيل والقال".
وأكدت دانيال حويك "لا يوجد قانون كامل وبالتأكيد هناك بعض الملاحظات على قانون التحرش، ولكن لا يمكن الادّعاء بأن القانون لا يحمي وبأن إقراره جاء لتلميع صورة الطبقة السياسية أمام المجتمع الدولي"، وتضيف "ذلك سيرسخ في ذهن النساء والفتيات بأن لا جدوى من التبليغ، كما يرسخ بذهن المرتكب بأنه لن يتعاقب، هذا أمر غير مقبول".
ولفتت إلى أن هناك عدداً من النساء اللواتي لجأن إلى القانون وقُتلن، لم يتسبب اللجوء إلى القانون بمقتلهن لكن ربما بعض الرجال الذين يتعرضون للضغط تزيد نسبة العدائية لديهم وبالتالي على النساء اللواتي يتعرضن للعنف أن يتخذن إجراءات حماية إضافية.
 
"على المرأة أن تتجنب لقاء المُعنٍف"
شددت المحامية دانيال حويك على أنه "لا يمكننا أن ترك المرأة مع المعنف في نفس المكان إذ لدينا مراكز إيواء، وحتى لو تواصل معها الزوج أو عرض عليها الصلح، عليها أن تعطيه رقم المحامي ليتواصل معه، لأن هناك عدد من الضحايا واجهن هذه المشكلة وبالتالي علينا أن نعرف أين وكيف نوجههن. ففي هذه الحالة نضع لها خطة لحمايتها وربما بعد مرور أشهر يمكنها أن تواجهه ولكن نكون قد عملنا على أكثر من صعيد وأصبح هناك امتصاص للغضب والعدائية التي يمكن أن تزيد عند الرجل".
عن دور القضاء في قضايا العنف الأسري، أكدت دانيال حويك أنه "لا يمكننا أن ندّعي بأن هناك تقصير من قبل القضاء، فالقضاة كانوا سبّاقين ولاسيما فيما يتعلق بقضاء العجلة، الأحكام جيدة جداً ولا تتقيد بحرفية النص لأن هناك مجال للاجتهاد. لا يمكننا أن ننفي أن هناك تأخيراً يحصل في كل القضايا في لبنان، ولكن قضاة العجلة يتابعون عبر الأونلاين وهناك بريد إلكتروني لقضاء العجلة يتم من خلاله تقديم الشكاوى"، وأضافت "حتى أنه صدر تعميم فيما يتعلق بقضايا النساء ينص على أنه يمكن أن يتم اتخاذ القرار من قبل النيابة العامة عبر الموبايل بسبب كورونا والإقفال".
 
 ضحايا العنف الأسري اللواتي تعرضن للتعنيف منذ بداية 2021 
بعد مرور شهر على عام 2021 تعرضت أربع نساء للقتل أو لمحاولات قتل وهن: زينة كنجو، أحكام درباس، وداد حسون وآخرهن التي نجت بأعجوبة لارا شعبان، بالإضافة إلى سيدة تم العثور على جثتها تحت جسر المشاة في منطقة قصقص في بيروت، مكبلة اليدين إلا أن القوى الأمنية لفتت إلى أن الوفاة طبيعية ولكن لم توضح سبب تكبيل يدي الضحية. 
 
زينة كنجو
قُتلت زينة كنجو على يد زوجها إبراهيم غزال الذي أقدم على خنقها بوضع يده على فمها وفرّ إلى إسطنبول، إلا أن بعض القنوات التلفزيون اللبنانية فتحت الهواء للقاتل لتبرير فعلته والذي أشار إلى أنه لم يكن يقصد قتل زوجته، لافتاً إلى أنه يمكن أن يضربها لكن لا يمكن أن يقصد قتلها، وراح يشارك صوراً تجمعه بها على مواقع التواصل الاجتماعي، يعبّر فيها عن اشتياقه لها. هذ وأصدر قاضي التحقيق الأول في بيروت بالإنابة شربل أبو سمرا مذكرة توقيف غيابية بحق إبراهيم غزال الذي أعلن عبر إحدى القنوات اللبنانية عن عودته إلى لبنان قريباً.
 
وداد حسون
لا تزال قضية مقتل اللاجئة الفلسطينية وداد حسون غامضة، إذ كشف تقرير الطبيب الشرعي عن أن وداد قُتلت خنقاً وتم رمي جثتها في البحر، وأشارت معلومات لـ"شريكة ولكن" إلى أن الهدف لم يكن السرقة لأن مصاغ الضحية كان لا يزال بحوزتها، ورجحت المعلومات بأن تكون جريمة عنف أسري.  
 
أحكام درباس
جريمة مقتل أحكام درباس تُضاف إلى جرائم العنف الوحشي التي تواجهها النساء في لبنان، إذ قُتلت أحكام على يد ابن شقيقة زوجها، بعدما حاول التحرش بها وصدته، فأقدم على قتلها والاعتداء عليها جنسياً بعد وفاتها، ثم سرق خاتمها وهاتفها وقد أوقفت القوى الأمنية القاتل الذي اعترف بجريمته وعثرت على خاتم المغدورة في منزله.
 
لارا شعبان
لارا شعبان ضحية جديدة تعرضت لكمين من زوجها الذي انتظرها مع عدة القتل عند السادسة والنصف صباح يوم الثلاثاء 9شباط/فبراير، عند المصعد في المبنى الذي تقطن فيه مع أهلها خلال توجهها لعملها في المستشفى، فقام بضربها وطعنها إلا أنها نجت بأعجوبة. وأعترف الزوج الذي تم توقيفه بعد ساعة من وقوع الجريمة بأنه حاول قتل زوجته بسبب رفضه انفصالها عنه، إذ هجرت لارا شعبان منزل زوجها منذ أقل من سنة بسبب سوء معاملته وتعنيفه لها.
نساءٌ خرجت قصصهن إلى العلن بعد وفاتهن وأخريات لا يزلن يرزحن تحت سلطة المعنف الذي لا يرحم بانتظار أن يرتدع، لكن لا رادع لمجرم إلا القانون، بلغي عنه وأنقذي حياتك.