المرأة العراقية... بصمة وتأثير في مختلف الحضارات والأزمنة (11)

النساء ركيزة أساسية في الأدب والفن (2)

سناء العلي 
مركز الأخبار ـ ورثت الأديبات العراقيات الفن بمختلف أشكاله من قدماء السومريون أقدم الشعوب التي كتبت الأدب واستخدمت الآلات الموسيقية. ووضعن بصمتهن في الأدب العراقي ومختلف الفنون في العصر الحديث.
 
التناول الأدبي للمرأة في الرواية العراقية 
"السابقون واللاحقون" للكاتبة سميرة المانع تعد أول رواية تكتبها امرأة عراقية، لكن هناك من يقول إن رواية "الحب والغفران" للكاتبة مائدة الربيعي سبقتها قبل ذلك بعام حيث أنها صدرت عام 1972.
لكن الرواية الأولى والتي حملت بعداً نسوياً كانت للكاتبة حربية محمد وهي أقرب للقصة الطويلة منها إلى رواية حيث لم يتجاوز عدد كلماتها 700 كلمة، ثم توالت الكتابات ذات الطابع النسوي فكان أن نشرت الكاتبة ليلى عبد القادر رواية بعنوان "نادية" عام 1957، ثم تلتها رواية الكاتبة مائدة الربيعي بعنوان "جنة الحب" عام 1968، ورواية "أشواك في الطريق" للكاتبة سميرة الدارجي عام 1970، هذا الجيل هو من مهد لجيل الثمانينات والتسعينات، لكن الحروب والاضطرابات السياسية التي عصفت بالبلاد شكلت عائقاً أمام الأديبات العراقيات مع ذلك استطعن اجتيازها واستخدامها في أعمالهن.
عقدي السبعينات والثمانينات زخرا بالإبداعات النسائية حيث صدرت أكثر من 20 رواية وقصة طويلة وهذا العدد ضخم مقارنة مع النتاج النسوي العربي في تلك الفترة، لكنه وبالمقارنة مع النتاج الأدبي العراقي عموماً يبدو قليلاً حيث صدرت 300 رواية في العراق. 
وكما في الشعر تنوعت الموضوعات، فالروائيات طرحن مواضيع مختلفة تبدأ من الأسرة والصراع بين المرأة والرجل من جهة وبين المرأة مع تقاليد المجتمع البالية من جهة أخرى. سعت الكاتبة لتوعية النساء، فالأديبات ومن خلال كتاباتهن رفضن خنوع المرأة للسلطة الذكورية، واختلف طرح القضايا الوطنية بين الرواية المكتوبة في العراق وبين نظيرتها في بلاد المهجر.
في رواية "المحبوبات" لعالية ممدوح 1993 تطرح الكاتبة إشكالية الجنس وقضايا الاغتصاب باسم الزواج، وفيها رفض لواقع الاستبداد الذكوري، لكن الرواية التي تعد من أنضج الأعمال النسوية هي رواية "حبات النفتالين" 1986 وهي كذلك من تأليف عالية ممدوح.
في مهرجان إدنبره الدولي لعام 2018 والذي يقام في كل عام بالعاصمة الأسكتلندية إدنبره حصلت الكاتبة شهد الراوي على جائزة الكتاب الأول عن رواية "ساعة بغداد" كما أنها وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر بنسختها العربية، وتصور هذه الرواية الحياة في العراق خلال تسعينيات القرن الماضي في ظل الحروب والحصار.
بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي تتعرض الكاتبات لضغط كبير ونقد عشوائي فكل من هب ودب أصبح ناقداً كما تقول الكاتبة الشابة شمم بيرام. تعزو الكاتبات ذلك لكون الذهنية المسيطرة على المجتمع ذكورية تنبع من تقاليد المجتمع، رغم أن بعض القوانين تحمي المرأة ولا تمنعها من الكتابة لكن القانون العشائري هو القائم، هناك فئات واسعة تعمل على ابقاء هذه السيطرة، وتبقى الجهود الداعمة لكتابات النساء فردية، ولا يوجد دعم مادي من أجل النشر والتسويق بشكل جدي.
 
الفن التشكيلي والعمارة...  
الرسم والفن التشكيلي عُرفا في العراق في الحضارات القديمة، وحتى العصر الحديث اهتمت المرأة العراقية بالفن التشكيلي ونافست الرجل حتى استطاعت أن تكون حاضرة وبقوة في هذا المجال.
منذ عشرينيات القرن الماضي ظهر الاهتمام بالفن التشكيلي من قبل بعض الأشخاص، وبعد تأسيس معهد الفنون الجميلة عام 1939 برزت أسماء عديدة أسست لهذا الفن من بينهم نزيهة السليم (1927ـ 2008) خريجة معهد الفنون الجميلة عام 1947التي تفوقت في دراستها وهو ما ساعدها لتكون من بين البعثة الرسمية إلى باريس وكانت أول امرأة عراقية تسافر خارج البلاد لدراسة الفن، ولديها مجموعة من الأعمال التي عالجت قضايا المرأة وأظهرت معاناتها في مختلف نواحي الحياة. 
تراجع الاهتمام بالفنون عموماً ومن ضمنه الفن التشكيلي بسبب الحروب، ويبقى الحضور والتميز متفرداً يقف على مدى قدرة الفنان على المحاربة من أجل فرض موهبته وتسليط الضوء عليها، من الفنانات اللواتي قدمن منجزات مهمة الفنانة التشكيلية مديحة عمر (1908ـ 2005) ولها جناح خاص في متحف الرواد، تميزت بكونها أول فنان عربي قام بدمج فن الخط مع الفن التجريدي، وتعد من فناني العراق لأنها عاشت في العراق لكن أصولها تعود إلى سوريا.
في عام 2014 نظمت مجموعة من الفنانات معرضاً لأعمال تحاكي معاناة النساء وذلك بمناسبة اليوم العالمي للمرأة بعنوان "معرض المرأة... كل الألوان والربيع أنتِ" شاركت فيه 77 فنانة من مختلف المدارس الفنية.
وعلى عكس ذلك ففي عام 2019 أنطلق أكبر معرض للفن التشكيلي في بغداد وسط حضور نسائي ضعيف لم يتجاوز عدد الفنانات المتواجدات خمسة، هذا المعرض يقام في كل عام من قبل جمعية التشكيليين العراقيين، لكنه توقف في الفترة الممتدة ما بين (2003ـ 2008) جراء الحرب والاضطرابات السياسية.
في فن العمارة خرجت امرأة استحقت أن تكون أهم مصممة عمارة في العالم دون منافس. زها حديد غيرت بشكل جذري المفاهيم القديمة حول التصميم، واتخذت من المنحنيات هوية معمارية لها حتى أطلق عليها لقب ملكة المنحنيات، توزعت أعمالها المعمارية الفنية في مختلف دول العالم لكن الاهتمام بأعمالها في الوطن العربي كان قليلاً.
تركت إرثاً من الأبنية يصل عددها إلى قرابة ألف بناء موزعة على 44 دولة حول العالم ومجموعة من الأثاث والأحذية والإكسسوار. 
 
الغناء... نساء أسسن للفن العراقي الأصيل  
يتميز العراق بلون غنائي فريد من نوعه قال عنه الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب أنه "فن يدور في فلك خاص به". يعود الفضل في تأسيس الفن العراقي لليهود الذين سكنوا العراق كصالح الكويتي الذي لحن أكثر من 700 لحن لأشهر مطربي العراق. 
أبدعت المرأة العراقية فالصوت النسائي لا غنى عنه في أي فن وخاصة في الغناء، أصبحت أعمالهن تراثاً فنياً تفتخر به الأمة العربية من محيطها إلى خليجها.  
في الموسيقا تشارك العديد من العازفات في الفرق الموسيقية لتمثيل البلاد مستكملات مسيرة العازفة المبدعة بياتريس اوهانسيان التي لمع نجمها منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم تعد أفضل من عزف على البيانو في العراق.
في عام 2019 احتفى غوغل بيوم ميلاد عفيفة اسكندر الذي يصادف العاشر من كانون الأول/ديسمبر1921 وكانت قد توفيت في بغداد عام 2012 بعد معاناة مع مرض السرطان. تنتمي لأسرة فنية فوالدتها ماريكا ديمتري تعزف على أربع آلات موسيقية وغنت في أحد الملاهي الليلة المنتشرة في ذلك الوقت، ومن أشهر أغانيها التي تعد من التراث العراقي "يا يمة انطيني الدربين، حرقت الروح".   
تقدمها في العمر لم يمنعها من مواصلة فنها، فعندما كانت تبلغ تسعين عاماً من العمر شاركت في مسلسل "فاتنة بغداد" وكان ذلك في عام 2011.
فرجة عباس (1909ـ1996) عرفت بالاسم الفني صديقة الملاية برز نجمها منذ عشرينات القرن الماضي، هي أول امرأة عراقية تغني في الإذاعة التي افتتحت عام 1936 لكنها بدأت قبل ذلك بسنوات بتسجيل الأغاني الخاصة بها اشتهر منها "على جسر المسيب، يا صياد السمك، الجار خوية الجار... وغيرها". والتي تعد من التراث الفني العراقي.
احترفت عائلتها فن الندب ورواية القصائد التي تستدر البكاء في المناسبات الدينية والأحزان، إضافة لتقديم الأغاني المبهجة في الأفراح. لكن اختيارها طريق الغناء قوبل بالرفض من قبل عائلتها وبشدة. في إحدى المقابلات قالت إنهم هددوها بالقتل لكنها أصرت على تحقيق حلمها حتى لو كلفها ذلك الابتعاد عنهم.
منيرة الهوزوز (1893ـ1995) حملت اسم الهوزوز لكونها أول مطربة عراقية تقدم الأغنية الشعبية الهوزوز، ذاع صيتها عن طريق الأغاني المسجلة على الأسطوانات والتي كانت حديثة العهد، وكما هو معروف في ذلك الوقت بدأت مشوارها الفني بالغناء في الملاهي الليلية، وغنت كذلك في الأعراس ومختلف المناسبات، واعتزلت الغناء عام 1940 بسبب المرض. 
على عكس صديقة الملاية تلقت سليمة مراد دروساً في الغناء منذ نعومة أظفارها. والدها أصبح أحد حاخامات اليهود الشرقيين في إسرائيل بعد هجرتهم إلى فلسطين، لكنها لم تغادر العراق رغم اسقاط الجنسية عنها من قبل الملكية العراقية لإجبارها على الهجرة. 
ولدت سليمة مراد عام 1920 في مدينة البصرة. أطلق عليها لقب سليمة باشا وبذلك كانت أول امرأة تحصل على لقب باشا من قبل الدولة العثمانية آنذاك، أشرفت بنفسها على تعليم ناظم الغزالي المقامات العراقية.
سلطانة يوسف (1910ـ 1995) هي أيضاً يهودية، ولدت في مدينة الموصل، وبرعت في آداء المقام البهيرزاوي، وشاركت في السينما المصرية من خلال دورها في فيلم نهر الحب عام 1960.
من النساء اللواتي تمتعن بشهرة كبيرة في القرن العشرين نجاة العراقية واسمها الحقيقي لويزا يعقوب ولدت عام 1923 وهاجرت مع عائلتها إلى فلسطين، وتوفيت هناك عام 1998. 
قبل عامين تقريباً رحلت مائدة نزهت إحدى أعمدة الغناء العراقي، وهي من أوائل الفنانات اللواتي ظهرن على شاشة التلفزيون العراقي عام 1956، ولدت عام 1937 في العاصمة بغداد على ذلك برعت في تقديم الأغنية البغدادية، لاحقتها شائعات وفاتها قبل أن تفارق الحياة في نهاية العام 2019، إحدى تلك الشائعات كانت في عام 2012 عندما علقت وزارة الثقافة لافتة سوداء على الجدار الخارجي لمقر الوزارة وكتبت عليها "تنعى وزارة الثقافة الفنانة العراقية الكبيرة مائدة نزهت". 
سيتا هاكوبيان (1950) بدأت مسيرتها الفنية بغناء قصيدة للشاعرة نازك الملائكة، والدها أرشاك بدروس لاعب تنس وموسيقي، واشتهرت في فترة السبعينيات، كما أنها أول من أدخل الغناء المعاصر أو البوب ميوزك للفن العراقي، آثرت اعتزال الغناء بعد أن فقدت الموسيقى في العراق جمالها واتجه أغلب الفنانين للأغاني السطحية حسب ما تقول. 
 
الدراما والسينما ضعف بالإنتاج وحضور نسائي تقليدي
بدأ البث التلفزيوني العراقي صيف العام 1957 ويعد أول بث تلفزيوني عربي، وهو ما ساهم في نهوض الدراما العراقية في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي. 
ويقسم النقاد الإنتاج التلفزيوني العراقي لجزئيين قبل الغزو الأمريكي 2003 وبعده. مع العلم أن الدراسات التي تناولت المرأة العراقية في وسائل الثقافة والفن قليلة مقارنة بالدول العربية الأخرى.   
ما بعد عام 2003 انخفض مستوى تمثيل المرأة مقارنة بالرجل متأثراً بالنظرة التقليدية والتي نمت بعد سيطرة أحزاب دينية على البلاد. حرب الميليشيات التي تعيشها البلاد أبعدت الدراما بشكل عام عن معالجة قضايا حساسة أو حقيقية في المجتمع ومنها قضايا المرأة، إلا النذر القليل حيث طرحت بعض الأعمال قضية العنف ضد المرأة وهذه أيضاً طُرحت بسطحية، وبعض العادات مثل زواج البدائل المعروف بالعراق بـ "الكصة بكصة" وزواج الفصيلة "الدية" أي التضحية بالفتاة من أجل الصلح بين عشيرتين.  
الدراما العراقية قدمت المرأة بصورة نمطية، امرأة ملتزمة بخدمة المنزل وبعادات وتقاليد المجتمع امرأة متكلة على الرجل خاضعة وتابعة له. 
الإنتاج العربي عموماً والعراقي خصوصاً نأى بنفسه عن طرح قضايا المرأة، فالكاتب اعتمد على شخصيتين نمطيتين، الأولى أظهرت المرأة بصورة "قوية" مقرونة بالشر فهي الأم أو الزوجة المتسلطة، الثانية متمثلة بامرأة "طيبة" حد السذاجة لا تستطيع اتخاذ أي قرار دون العودة للآخرين أو تكون امرأة سطحية التفكير. 
 
أبرز الوجوه الفنية في الدراما والسينما والمسرح
دخلت النساء من مختلف القوميات والديانات التي يتميز بها النسيج العراقي إلى الساحة الفنية، أي أن المشاركة لم تقتصر على المكون العربي، منهن من جمعن بين التلفزيون والسينما والمسرح، وهنا شريحة من الأسماء التي أسست للفن العراقي فهن على سبيل المثال لا الحصر، كلاً من الفنانة الكردية آسيا كمال (1961) التي دخلت مجال التمثيل عن طريق تأثرها بالوسط الفني الذي كانت تعمل فيه والدتها كـ "ماكيير". قدمت عدة مسرحيات، قبل أن تدخل التلفزيون في عام 1979 من خلال سباعية "الغائب يعود"، ثم توالت أعمالها الفنية، وقدمت أدواراً في السينما أيضاً كان آخرها عام 2020 وهو فيلم بعنوان "إلى بغداد" وهو أول عمل سينمائي عراقي منذ عام 2003. 
في عام 1993 أخرجت مسلسل "المسافر" من بطولة الفنان كاظم الساهر. وفي عام 2010 حصلت على لقب أفضل ممثلة عراقية، واحتفظت باللقب لعامين متتاليين.
من المكون التركماني اشتهرت الفنانة أمل سنان (1966) وعرفت بدورها في مسلسل يتيم بعنوان "نادية" عرض عام 1988، واعتبرت الأولى في عدة مجالات فهي أول عراقية تجمع بين عرض الأزياء والتمثيل، وأول امرأة من مدينة كركوك تحصل على جائزة أفضل ممثلة في العراق، وأول فتاة تركمانية تشارك في بطولة فيلم سينمائي وكان بعنوان "ستة على ستة" في عام 1988. لكن ومع ذلك قررت الاعتزال في عام 1989.
سعدية الزيدي (1939) شاركت في معظم الأفلام العراقية، وكتبت الشعر قبل ذلك، من أشهر الأعمال التي قدمتها والتي ما تزال في الذاكرة المسلسل الإذاعي "غيدة وحمد" الذي أذيع في ستينيات القرن الماضي، وقدمت أغانيه الفنانة وحيدة خليل.
من المكون الأرمني اشتهرت الفنانة ازادوهي صاموئيل (1942) وتعد من رواد المسرح العراقي منذ عام 1954، حيث أنها أول امرأة تدخل معهد الفنون الجميلة في قسم الفنون المسرحية ولها رصيد كبير من الأعمال المسرحية. 
فوزية الشندي (1942) هي ثاني امرأة تتخرج من معهد الفنون الجميلة قسم الفنون المسرحية عام 1964 وأول طالبة تتخرج من أكاديمية الفنون الجميلة وتحصل على البكالوريوس والماجستير في فن الإخراج المسرحي.
في السنوات الأخيرة عادت عجلة الدراما العراقية للدوران، لكنها تعرضت للنقد بسبب الطابع الكوميدي الذي غلب على معظم الأعمال واتهمها البعض بأنها غير منضبطة وتستهدف فئات من المجتمع، من جهة أخرى تعاني الدراما العراقية من السيطرة الطائفية والعشائرية عليها مما يجبر القائمين على الأعمال الدرامية الابتعاد عن مناقشة الكثير من القضايا باعتبارها تابوهات لا يجوز الاقتراب منها، ومنها مناقشة قضايا المرأة في المجتمع.