أندى الصلاحي: ما نعانيه كارثي... مدينتنا عالقة بين حربين لم تشفى منهما حتى اللحظة

نور سريب 
اليمن ـ في مدينة شهدت حرب طاحنة بعد سيطرة الجماعات الإرهابية عليها، وحصدت الكثير من المآسي والصراعات والتخريب والدمار، تلك المعاناة انعكست على حياة النساء مما جعلهن يعانين من فقدان حقوقهن وعرضتهن للخطر، نلتقي اليوم أندى الصلاحي إحدى القياديات اللاتي واجهن تلك المرحلة وما زلن يجتهدن للعمل المجتمعي رغم التحديات الكبيرة. 
أندى حسن الصلاحي (٣٩) عاماً، من محافظة أبين تسكن بمدينة جعار في مديرية خنفر، تعمل كموظفة في ديوان جهاز محو الأمية وتعليم الكبار وترأس مؤسسة إنسان التنموية، تقول لوكالتنا عن بدايتها في العمل المجتمعي "بداية عملي المجتمعي كان في عام ٢٠٠٨، في مجال العمل التطوعي بمجال التدريب والتأهيل والتنمية البشرية واستمريت في نشاطي رغم الظروف التي مرت بها محافظة أبين وحتى بدأت حرب الحوثيين عام ٢٠١٥، استمر نشاطي وأسست مؤسسة إنسان التنموية انطلاقاً من احتياج منطقتي للنهوض بها في ظل الأوضاع السيئة التي أثرت على المجتمع في أبين".
ووصفت أندى الصلاحي الوضع التعليمي في المحافظة قائلة "شهدت المحافظة أحداث كارثية ولازالت تفتقر للخدمات ناهيك عن ارتفاع معدل الأمية في صفوف النساء بعد أن كانت في ثمانينات القرن الماضي تشهد ازدهار كبير وانعدام للأمية فيها وشراكة حقيقية للمرأة، علماً أنه تم افتتاح فصول دراسية أكثر لتستوعب ما أنتجته الأوضاع من تسرب التعليم ومن الحرب والفقر والتجنيد، النساء زادت عليهن الأعباء بعد الحرب من الفقر والعوز وزواج القاصرات مما زاد من نسبة الأمية، وإلى جانب ذلك هناك تطورات طارئة حدثت مثل الإضرابات وجائحة كورونا، ما نعانيه كارثي إن مدينتنا عالقة بين حربين لم تشفى منهما حتى اللحظة".
كما شاركتنا ذكريات أصعب المراحل التي شهدتها مدينتها قائلة "أتذكر صبيحة 27 أيار/مايو 2011، وكأن الكارثة وقعت أمس، في مرحلة حرب القاعدة ٢٠١١ مرحلة لا تنسى في ذاكرة كل مواطن في محافظة أبين هي مرحلة موت سريري لكل مناحي الحياة بعد إعلان سيطرة أنصار الشريعة (تنظيم القاعدة) كانت أبين مدينة أشباح مفزعة، بالنسبة لي كنت في تلك الفترة أجد نفسي في انعزال عن العالم الخارجي، فجأة تجد مدينتك جعار التي هي سوق تجاري ينبض بالحياة يتحول إلى مكان مهجور من البشر والحياة، إلا قليل من الناس الذين لم يتركوا ديارهم لعدم استطاعتهم على العيش في مدن أخرى، كانت حركتي المجتمعية شبة مشلولة بسبب الضغوطات الفكرية والإرهابية التي هددت عملنا".
وتضيف "في فترة سقوط المحافظة بيد التنظيم الإرهابي حدث لي موقف لن أنساه ما دمت حية، في بداية الحرب كنت أحاول الصمود في منطقتي لكن اشتد الطوق وأصبح الواقع مرير وبدأت الجماعة الإرهابية بتوزيع ونشر قوائم أسماء في الشوارع، تلك القوائم كانت تحتوي على أسماء أشخاص قررت القاعدة إعدامهم تحت مبررات افتراء منهم لتصفية كل من لا يقتنع بفكرهم الإرهابي المتطرف، وكان اسمي ضمن تلك القوائم فاضطررت للخروج من أبين عبر طريق الحرور الذي يبعد عن محافظة عدن خمس ساعات هرباً من بطش القاعدة وجرائمها".
وعن مرور عشر سنوات على تلك الحرب الشرسة التي دمرت المدينة تقول "بعد ١٠ سنوات من حرب القاعدة وما يقارب 6 سنوات على حرب الحوثيين وتحرير أبين من الجماعتين كانت هناك حرب فكرية، والآن تحولت إلى حرب خدمات وتدمير القيم الإنسانية، نحن لا ننكر أن الوضع الآن أصبح شبه آمن والمواطن يستطيع أن يدلي بفكره وآرائه لكن حرب الخدمات وغلاء المعيشة جعلتنا لا نفكر في بناء المجتمع بقدر ما نفكر بتأمين قوت يومنا، انزاحت عنا غمة الإرهاب والحوثي وتكالبت علينا صور الإرهاب الخدمي والمعيشي".
 
وعن سؤالنا عن إمكانية تمكين نساء أبين اليوم قالت أندى الصلاحي "تمكين النساء في مجتمع أبين أمر ليس بالصعب فالمرأة في أبين معطاءة ومنفتحة على العمل، فهناك بعض العادات والتقاليد المتوارثة لكنها متى ما آمنت بقدراتها فإنها تواجه وتحارب لأجل حلمها وطموحها وتمكينها في كل مجالات الحياة من تمكين سياسي واقتصادي واجتماعي وغيره، ولكن ضعف برامج تمكين المرأة سواء من الحكومة أو من المنظمات التي تعنى ببرامج المرأة هي من تعرقل الدفع الحقيقي بتمكين النساء في أبين فيقتصر دورهم على التدريب والتأهيل دون التمكين لهذا نجد فجوة ما بين المدخلات المطلوبة والمخرجات المتوقعة والقدرة على إعادة التمكين من خلال إعادة تفعيل برامج تمكين المرأة في كل مرافق الحكومة والقطاعات الخاصة وبرامج المنظمات، لتصبح المرأة متواجدة بقوة وذو كفاءة واستحقاق بعيداً عن تواجدها كنسبة مئوية أو ديكور تكتمل به الصورة" .
وتحدثت أندى الصلاحي عن طموحها رغم أنف الحروب "طموحاتي كثيرة وسقفها عالي مع أن الواقع صعب، ولكن نثق أن الوضع المزري في البلاد سيتغير نحو مستقبل أفضل للأجيال القادمة وستكون كرامة المواطن مصانة فيه، وأطمح لبرامج مجتمعية ذات طابع مستدام ومشاريع تنمية حساسة مستدامة بالاستثمار الداخلي للبلد بعيداً عن مد الأيادي للمنظمات الخارجية حتى نصل للاكتفاء الذاتي، فبلادنا غنية جداً بالخيرات والخبرات فقط تحتاج الأمن والاستقرار لتنعم بالعيش الرغيد".
وعن الصعوبات التي تواجه نشاطها الحالي قالت "الصعوبات التي واجهتني خلال نشاطي وعملي المجتمعي هو عزوف الكثير من المنظمات عن دعم عملنا كمؤسسة في محافظة أبين بحجة الأوضاع الغير مستقرة والغير آمنة في حرب القاعدة وحرب الحوثي فكان العمل المجتمعي شبة طوعي ويفتقر للدعم في المشاريع المجتمعية وندرك أن هنالك صعوبة في أن تجازف منظمات العمل في بيئة غير أمنة".
اختتمت أندى الصلاحي حديثها بتوجيه رسالة لأبناء محافظة أبين وباقي المدن اليمنية الأخرى "رسالتي إلى كل مواطن في أبين خاصة والبلاد عامة حافظوا على مقدرات الأرض واستغلوا الطاقات البشرية نحو التنمية المستدامة للأجيال القادمة وأعلموا أن التدخلات الخارجية لا تقدم إلا للحفاظ على مصالحها وازرعوا القيم والأخلاق الحسنة في عقول أبنائكم الصغار فالحرب على البلاد حرب بشتى الوسائل لتدمير عقول الشباب بالمخدرات والارهاب والفكر المتطرف وقتل القيم فينا، فأوصيكم في آخر رسالتي اهتموا بتعليم أبناءكم وبناتكم فبالتعليم تنهض الأمة ويرتقي شأنها".