غزة تستقبل عيد الأضحى وكأنه الأول لهذا العام

رفيف اسليم
غزة ـ تستقبل نساء قطاع غزة عيد الأضحى وكأنه العيد الأول لهذا العام، بعيداً عن أصوات صواريخ وقذائف الإسرائيلي، فقد تزامن عيد الفطر مع العدوان الأخير على القطاع في أيار/مايو الماضي، وحرمهن وأطفالهن من بهجته وجعلهن ينتظرن عيدهن الثاني بفارغ الصبر، على أمل تعويض تلك الفرحة التي سلبت منهم، وإحيائها وسط العائلة والأصدقاء والأقارب تتخللها طقوس العيد الخاصة.
"جانا العيد أهو جانا العيد" يردد الطفل محمد العجلة ذو (12) عاماً لوكالتنا تلك الأغنية التي علمته إياها والدته مؤخراً، وهو يخبرنا بأنه لا يصدق أن العيد قد آتى دون رعب، وسيتكمن أخيراً من ارتداء ملابسه الجديدة والحصول على العيدية واللعب مع أصدقائه بألعابه الخاصة، لتقطع حديثنا أمه نجوى العجلة ذات (35) عاماً قائلة إنها لم تشتري ملابس لهذا العيد لأن ملابس عيد الفطر بقيت مخبأة، وبسبب حالة الرعب التي فرضها العدوان لم يستطيع أحد أن يقوم بالزيارات المعتادة أو حتى أن ينزل إلى الشوارع.
وتضيف نجوى العجلة أن محمد طفلها الأوسط لا يكاد يصدق نفسه، فهو يتفقد خزانته بين الفينة والأخرى ليتأكد أن اللباس والعطر الخاصين بالعيد لا يزالان في مكانهما، كما يشرك أختيه (منة وسارة) بسعادته فيحثهما على أن تفعلا مثله، ويتناقش الثلاثة سوياً عن الطريقة التي سيقضون فيها أيام العيد وماذا سيفعلون بمبلغ العيدية، مضيفةً أنها تستمع لأحاديثهم وتبتسم، بل وتشاركهم أيضاً بعض التفاصيل مثل ماذا يفضلون من الحلوى والمشروبات وما هي الأماكن التي يرغبون بزيارتها خلال أيام العيد.
وتكمل أن عيد الأضحى له بهجته الخاصة فأولادها يطلقون عليه اسم "عيد اللحمة"، كونهم يشاهدون خلال أيامه ذبح الأضاحي في شوارع المدينة كما يوزع المضحين اللحم على الأقارب والجيران والفقراء، لافتةً أن أول ثلاث أيام العيد تعج المائدة بالأطباق الفلسطينية الشهيرة كالفتة والمقلوبة والمسخن، أما اليوم الرابع فيكون للشواء حتى يتم استهلاك كمية اللحم قبل فسادها فازدياد الساعات التي تنقطع فيها الكهرباء في غزة لأكثر من 12 ساعة يومياً لا يترك مجال لتخزين اللحوم واستعمالها فيما بعد. 
أما هيا المصري ذات (28) عاماً فترى في العيد فرصة لتحصل من خلالها على مبلغ من المال، فهي أم لخمسة أطفال تسعى لإدخال السعادة إلى قلوبهم كبقية أبناء جيلهم، فهي تعد الكعك والمعمول وتبيعه في المحال لتشتري بثمنه ملابس وحاجيات لأطفالها، فقد استطاعت النجاح في تسويق منتجاتها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، بل وأصبح بعض المتابعين زبائن دائمين لديها حتى في فترة ما بعد العيد.
وتكمل هيا المصري أن الإنترنت عالم واسع لربة الأسرة تستطيع أن تتعلم من خلاله عدة وصفات أو مهن يدوية، كما يمكنها عرض ما تنتجه بطريقة سهلة وسريعة وبأقل التكاليف، مشيرةً أنها تعلمت مؤخراً عن طريق أحد المواقع المتخصصة بالطبخ كيفية صنع سمك الفسيخ وهي أكلة شعبية تتواجد بكثرة في كلا العيدين خلال وجبة الفطور على موائد مواطني قطاع غزة، في محاولة منها التنويع بمنتجاتها لمساعدة عائلتها. 
ومن إعداد الكعك والفسيخ تحدثنا عطاف أبو مدين البالغة من العمر (60) عاماً عن أجواء العيد لدى عائلتها التي تجتمع ببيتها ثاني أيام العيد ويلتف أحفادها حولها منتظرين أن تقدم لهم العيدية التي قد اعتادوا على أخذها منها، مضيفةً أنها قد جهزت عيدية كل واحد منهم في ورقة مخصصة كانت قد اشترتها في وقت سابق لتدخل البهجة إلى قلوبهم محاولة أن تنسيهم ما مروا به خلال العيد السابق ليبقى العيد ذكرى جميلة في أذهانهم.
وتضيف أنها تقدم لهم أنواع عديدة من المكسرات والمسليات كالترمس والفول في يوم استقبالهم واستعداداً لجلسة ما بعد الظهيرة التي تستمع خلالها لأحاديث الأطفال كما تروي لهم بعض القصص، مشيرة أنها تفضل خلال ذلك اليوم مشاهدة بعض المسرحيات معهم مثل "العيال كبرت" و "مدرسة المشاغبين" لكن أوضاع الكهرباء السيئة لا تسمح بذلك، فمع اشتداد حرارة الصيف يزداد عدد الساعات التي تقطع فيها الكهرباء وخاصة أيام المناسبات.
فيما أطلقت مريم مهنا ذات (30) عاماً التي التقينا بها في أحد أسواق القطاع، نفساً طويلاً يدل على ارتياحها لتقول إن "شراء ملابس لأربعة أطفال في غزة هو العناء بحد ذاته، فارتفاع الأسعار مع رداءة النوعية أمر مزعج"، متسائلة "لماذا لا يتم فتح المعبر من قبل الاحتلال الإسرائيلي كما قبل العدوان الأخير على القطاع وإدخال الألبسة، ما هو السبب الذي يمنع إدخال البضائع لتزدهر أسواق المدينة المحاصرة كبقية أسواق العالم في هذه المناسبة؟".
وتكمل أن "كل ما في السوق من بضائع قد ارتفع ثمنه للضعف خاصة الملابس التي احتكرها بعض التجار ورفعوا شعار الي معوش بلزموش، ليضطر رب الأسرة إلى تغيير حساباته هذا العيد، مشيرة أنها لا تستطيع أن تعود لأطفالها دون الملابس والحلوى فهم ينتظرون صباح العيد بفارغ الصبر لسماع صوت التكبيرات وأداء الصلاة مع أبيهم، ثم يستعدوا بعد ذلك لارتداء ملابسهم الجديدة واستقبال الزوار.
ويذكر أن السكان في قطاع غزة استقبلوا عيد الفطر على وقع الانفجارات وعمليات القصف المتتالية من الطيران الحربي الإسرائيلي، الذي طال أبراجاً، ومنازل، وشققاً سكنية، وبنى تحتية، ومؤسسات، ومكاتب إعلامية، وشركات إنتاج إعلامي، وطرق رئيسية, فيما وصل عدد الشهداء الى 254 شهيداً، منهم 66 طفلاً، 39 سيدة، و17 مسناً، و بقي عدد الإصابات 1948، بجراح مختلفة.