19 تموز "ثورة المرأة"... طوق النجاة لشعوب شمال وشرق سوريا

كوباني ـ في سوريا تحولت الانتفاضة الشّعبيَّة السّلميَّة المطالبة بالإصلاح ووقف الفساد، إلى معارك مسلحة تدخلت فيها العديد من الفصائل، وخلال ذلك ولدت في روج آفا بشمال وشرق سوريا ثورة 19 تموز، السّاعية للعدالة الاجتماعية، والتي نتج عنها نظام الإدارة الذّاتية الدّيمقراطيّة الذي احتوى جميع المكونات والأعراق. 
لم تكن الأعوام العشرة الماضية أفضل سنوات الشّعب السّوري الذي عانى من الصّراع المتأجج في المنطقة والتّدخلات الخارجية، وعلى الرّغم من هذا كان هناك تغييرات إيجابية في العديد من المدن بشمال وشرق سوريا التي يّطبق فيها مشروع جديد هادف لوحدة الشّعوب، كانت المرأة وما زالت أساساً لهذا المشروع فالنساء في شمال وشرق سوريا كسرنَّ القوقعة التي سجنَّ فيها لعقود عبر الثورة، وتعرفنَّ على حقيقتهنَّ، لينخرطنَّ في العمل وبكافة المجالات، بعد عقود من التهميش، كن يتحركنَّ فيها كدّمى مربوطة بخيوط العادات والتّقاليد. 
 
حراك شّعبي نحو تقرير المصير وتحقيق الدّيمقراطيّة
ربيع عام 2011 كان انطلاقة انتفاضة الحراك الشَّعبي في عدد من البلدان العربية نحو تقرير المصير وتحقيق الدّيمقراطيّة، لتبدأ حقبة جديدة في الشّرق الأوسط، إذ بدأت الشعوب بالخروج بمظاهرات سليمة تطالب بالعدالة الاجتماعية، كان أولها بتونس في 14 كانون الثاني/يناير. 
وفي سوريا انطلقت الثورة من محافظة درعا، لتخرج عقبها في 15 آذار/ مارس 2011 أولى المُظاهرات في العاصمة دمشق، داعيةً لوقف الفساد، وسياسة القمع وكبت الحريات.
وخلال الانتفاضة الشّعبية أعلن عن تأسيس ما يعرف بـ "الجيش الحر"، في آب/أغسطس، وعلى خلفية ذلك تحولت المظاهرات السّليمة إلى معارك عسكرية، وصل فيها الأمر إلى استخدام الأسلحة الثّقيلة، ما أدى لنزوح آلاف أبناء الشّعب السّوري إلى الدّول المجاورة كلبنان والأردن وتركيا وإلى الدول الأوروبية كذلك.
في شمال وشرق سوريا خرج الشعب الكردي في مظاهرات حاشدة مطالبة بإسقاط النظام نتيجة لسياساته العنصرية اتجاه الكُرد منها الحزام العربي والتهجير، والمجزرة التي ارتكبتها قوات النظام في قامشلو عام 2004. وعمل أهالي كوباني على تنظيم أنفسهم بشكل سري وتأسيس مركز الشّبيبة الثّورية واللغة الكردية وغيرها، إضافة للاحتفالات في المناسبات الثوريّة، في الوقت الذي كان فيه النّظام يعمل على تكثيف حملات الاعتقال.
بتاريخ 19 تموز/يوليو 2012، وهو التّاريخ الذي انطلقت فيه ثورة روج آفا من كوباني، أعلنت القيادة العامة لوحدات حماية الشعب رسمياً عن وحداتها، وعاهدت على الدفاع عن جميع المكونات في روج آفا.   
 
خروج النّظام من كوباني والقضاء على داعش... بداية الثّورة الحقيقية  
انطلقت الثورة من كوباني، لتمتد إلى عفرين وإقليم الجزيرة، واستمر الوضع على هذا الحال حتى إعلان تأسيس الإدارة الذّاتيّة في روج آفا عام 2013، لتنضم لها جميع المكونات المتواجدة في المنطقة. 
وإلى جانب ذلك تشكلت قوات عسكرية ودفاعية كوحدات حماية المجتمع، ووحدات حماية الشّعب ووحدات حماية المرأة، وقوى مكافحة الإرهاب وقوى الأمن الدّاخلي، كذلك تأسست العديد من المؤسسات المدنية التي مكنت الشّعب من إدارة نفسه.
وبعد النّجاح الذي حققه مشروع الإدارة الذّاتية، دخلت جهات عديدة هادفة لتدمير المكتسبات كجبهة النّصرة، وأحرار الشّام، ومرتزقة داعش، التي هاجمت مناطق شمال وشرق سوريا، قبل أن تتمكن وحدات حماية الشعب والمرأة وكذلك قوات سوريا الديمقراطية "قسد" التي تأسست في 15 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2015، من طرد المرتزقة، وأهمها مدينة الرقة التي اتخذها مرتزقة داعش كعاصمة لخلافتهم المزعومة، وقضت القوات على التنظيم في آخر معاقله في الباغوز بالريف الشرقي لمدينة دير الزور في آذار/مارس 2019.
وأعلن عن الإدارة الذّاتية الدّيمقراطية على مستوى شمال وشرق سوريا في عام 2018، كما أن النّضال السّياسي سعى لتطبيق المشروع الدّيمقراطي الداعي للعدالة والمساواة.
 
المرأة أثبتت جدارتها وصنعت القرار 
مع اندلاع ثورة روج آفا شاركت النساء فيها وعملنَّ على تنظيم أنفسهنَّ من خلال انخراطهنَّ في كافة المجالات، وشكلنَّ مجالس وكومينات خاصة بهنَّ. 
وظهرت خلال الثّورة العديد من النّساء اللواتي لعبنّ دوراً مفصلياً فيها، وأثبتنّ جدارتهنّ في العديد من المواقع، ليكون حصيلة ذلك وصول المرأة لمراكز صنع القرار في الرّئاسة المُشتركة، بالاستناد إلى المبادئ التي طرحها القائد عبد الله أوجلان، مما أوصل المرأة لأهدافها.
ونشط اتحاد ستار والذي كان قد تأسس عام 2005، وتغير اسمه في عام 2016 لمؤتمر ستار، كذلك تأسست العديد من المراكز النّسوية منها دار المرأة، ومنظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة، ومؤسسات الفكر الإيديولوجي، وأخذت المرأة مكانها في لجنة التّربيّة والتّعليم ومؤسسة عوائل الشّهداء، وحركة المجتمع الدّيمقراطي، والشّبيبة الدّيمقراطيّة.
واستطاعت المرأة حماية مكانتها في كافة المؤسسات الخدميّة والاجتماعية، وعلى الرغم من تعدد الثّورات، إلا أن أي منها لم يبرز مكانة المرأة كثورة 19 تموز. 
 
 
قالت ليلى أحمد، إحدى النساء اللواتي شاركنَّ في ثورة 19 تموز "ثورة المرأة" أن شعاراتهم كانت تدعو لحرية الشعوب وتحقيق العدالة والدّيمقراطيّة "أردنا فقط العيش بسلام وأمان في وطننا وبهويتنا، وأن نتمكن من الحديث بلغتنا بحرية، ونحتفل بأعيادنا من دون خوف من الاعتقال كما كان يحدث خلال أعياد النّوروز". 
وبينت ليلى أحمد أن إحساسهم لم يكن يوصف عندما بدأت هذه الثّورة، لأنهم كسروا القيود وولدوا من جديد بحرية أكبر "للمرة الأولى في سوريا يعيش الكردي بهويته وقوميته بلا خوف، والمرأة تحررت من قيود الذهنية السلطوية وقادت الثورة بكل جسارة وجدارة وفكر حر". 
وأكدت أن روح ثورة 19 تموز هي روح متجددة لا يمكن أن تُخمد مهما اشتدت الهجمات المستهدفة للقضاء على مكتسباتها وإنجازاتها "الثورة كانت الولادة الحقيقة لنا كنساء، وبإرادتنا ونضالنا المستمر سنحمي مكتسباتنا التي قدم الآلاف من الشهداء أرواحهم لتحقيقها، الذين ضحوا دون تردد لنعيش حياة حرة وكريمة".
 
 
وبينت الإدارية في دار المرأة وعضوة منسقية مؤتمر ستار في بلدة صرين يازي خليل أنه خلال سيطرة الفصائل المرتزقة كجبهة النّصرة وداعش على المنطقة حرمت المرأة من أبسط حقوقها "عانينا من الظّلم، دفعنا الثّمن الأكبر لتحول مسار الثّورة السَّوريَّة، فتعرضنا للابتزاز والقتل وتكميم الأفواه".
الثورة دعمت النساء ووضعتهنَّ على المسار الصحيح لكن عليهنَّ وكما تقول يازي خليل تقوية شخصيتهنَّ وتطوير فكرهنَّ رغم جميع التحديات المتمثلة بالعادات والتقاليد البالية التي فُرضت عليهنَّ منذ آلاف السّنين. 
وحول تجربتها في العمل قالت "أعمل في المجال الذي أحب، من دون أن يفرض عليَ أحد ما أفعل أو لا أفعل، تعرفت على حقيقتي وحقوقي، فدور المرأة لا ينحصر بين جدران المطبخ وتربية الأبناء". داعية جميع النساء لتنظيم أنفسهنَّ.
 
 
أما عضوة لجنة التّدريب في مؤتمر ستار ببلدة صرين فاطمة محمد فقالت "لم يكن لدي أي هدف أو طموح، كنت ربة منزل وأهتم بتربية ابنيَّ، ولم أفكر بالخروج من المنزل للعمل، ومعرفة ما يجري حولي من أحداث، قبل أن أدخل مجال العمل النّسوي".     
وبينت أن كل شيء تغير بعد ثورة 19تموز، إذ تحررت المنطقة من القوى التي عاثت فيها الفساد "قررت الخروج من القوقعة التي أعيش فيها، والحصول على حقوقي، فثورة المرأة منحتني الأمل بالحياة والدافع لفعل شيء ما، فدخلت المجال الذي يدافع عن حقوق المرأة وينظمها ويعالج مشاكلها".
وترى فاطمة محمد أن الثورة فكرية أكثر منها عسكرية، إذ جمعت طاقات المرأة ووظفتها في كافة المجالات "يجب على النّساء كسر الحاجز والدّخول في جميع المجالات التي كان يحتكرها الرّجل".