ازدياد حالات الانتحار في مناطق شمال وشرق سوريا

سيلين محمد 
قامشلو ـ زادت حالات الانتحار في سوريا عموماً ومناطق شمال وشرق سوريا بشكل غير مسبوق منذ بداية عام 2021، وأغلب من أقدموا عليه من الفئة الشابة.
قبل عدة أيام شهدت مدينة الحسكة في شمال وشرق سوريا انتحار شاب عشريني، كذلك انهت امرأة أربعينية حياتها في مدينة كوباني، وقبل أشهر أقدمت امرأة أخرى من كوباني على قتل نفسها بطلق ناري.  
الأسباب ليست واضحة بشكل كبير حول إقدام النساء والرجال بعمر الشباب على الانتحار لكن تردي الأوضاع الاقتصادية والعنف الذي تتعرض له النساء أسباب رئيسية في ازدياد هذه الحالات، ولنتفادى حدوثها، كان لا بد من البَّحث عن الأسباب التي تؤدي لاختيار شخص إنهاء حياته.
تقول المُستشارة القانونية لمنظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة ندى ملكي، لوكالتنا أن هناك العديد من العلامات تظهر على الذين يفكرون بالانتحار "الاكتئاب، القلق، وعدم الرَّاحة، الرَّغبة بالوحدة والانعزال، فقدان الشَّهية، الشَّعور بالاشمئزاز، وكثرة الحديث عن الموت والعالم الآخر، بحيث يجمل صورته أمامهم، إضافة للغضب".
مشيرةً إلى أنه من المحتمل إيقاف عملية الانتحار أو نواياها، في حال التمكن من الاستدلال على علاماته لدى أي شخص، وتجنب أسبابه المرتبطة بعدة جوانب "من العوامل التي تزيد الرغبة في الانتحار الاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية والأسرية المرتبطة بالخلافات الزَّوجية المتعلقة معظمها بالنقص المادي، نظراً لانتشار البطالة".
وتضيف "هنالك عوامل خارجية تتعلق بالحروب والأوضاع الأمنية الغير مستقرة، ولعل هذا أحد أسباب انتشار هذه الظَّاهرة في شمال وشرق سوريا، إضافة لمشاهدة مواقع التَّواصل الاجتماعي بشكل غير منتظم وسلبي، والتَّعرض للاغتصاب، وتعاطي المواد المخدرة والكحوليَّة، وانتشار الظَّواهر اللاأخلاقية".
وتؤكد أن للاحتلال التركي دور كبير في زيادة حالات الانتحار كما في عفرين وغيرها "الاحتلال بانتهاكاته وممارساته الشنيعة بحق النساء في المناطق المُحتلة من اغتصاب وضرب وإهانة وغيرها من الممارسات، دفع النساء للانتحار".
وتوضح ندى ملكي أن المثل القائل "إذا عرف السَّبب بطل العجب"، ينطبق على الحلول للحد من ظاهرة الانتحار "من الأفضل تجاوز مرحلة الفراغ، والبحث عن أصغر التَّفاصيل التي تجلب السَّعادة، وتقديم الدّعم الإيجابي لمن نشعر أنهم على شفى الانتحار، وتوجيههم لمراكز المعالجة النَّفسيًّة والفيزيائية". 
وحول ارتباط هذه الظَّاهرة بالفئة العمرية قالت "لا ترتبط بأعمار معينة، فهنالك الكثير من الحالات تكون بين (12 ـ 45) عاماً من كلا الجنسين، ولكننا نركز كمنظمة نسائية على نسبة النساء، والتي تعتبر مرتفعة مقارنة مع الرَّجال، أي ما يقارب 60 بالمئة".
وتعتبر أن المُنتحرين هم أشخاص غير طبيعيين، ويعانون من اضطرابات نفسية، لها تأثيرات على الأفراد وأسرهم، لذا وجب الحد منه "من عام 2020 حتى 2021 تزايدت حالات الانتحار، مما دفعنا لوضع خطط وبرامج لوقفها، بالتعاون من منظمات أخرى تعنى بذات الموضوع، عبر جمع المنح المادية التي تساعدنا على إقامة مشاريع للحالات التي تأتي إلينا، كبناء خاص للعوائل وأطفالهم، وتوزيع مستلزمات معينة، والقيام برحلات ترفيهية".
وتضيف "بالنسبة للتعاطي أعطينا محاضرات توعوية وتثقيفية عن خطره ونشرناها على مواقع التَّواصل، إضافة للندوات وتوزيع البروشورات، ولأن الفئة الشابة أكثر عرضة للانتحار نتيجة الضَّغط الدَّراسي وزعنا الهدايا على ثانويات الإناث تحت شعار (الأمل)، وتحدثنا مع العديد من الفتيات لمساعدتهنَّ على تجاوز الصَّعوبات". 
 
وتختتم ندى ملكي بالتأكيد على أن هناك العديد من المنظمات المتعاونة، "نعمل مع منظمات تابعة لوقفة المرأة الحرة، ومنظمة ديموس، ومنظمات للمعالجة النَّفسية والفيزيائية مثل جيان فونديشن، والعديد من المنظمات الأخرى، ولكن تعاملنا الأبرز مع تلك التي تعنى بالمرأة".
ويعمل وقف المرأة الحرة على تمكين النساء اقتصادياً من خلال افتتاح دورات تدريبية لتتعلم النساء العديد من المهن. كما افتتح في العاشر من كانون الثاني/يناير2021، فرع لمركز ضحايا التعذيب الموجود في كركوك بالعراق في مدينة قامشلو بشمال وشرق سوريا، باسم "جيان فونديشن" بهدف تقديم الخدمات العلاجية والنفسية لمن يحتاج إليها. 
أما الإدارية في دار المرأة بمقاطعة قامشلو بهية مراد، فترى أن الذَّهنية الذّكورية التي تضغط على المرأة تدفعها للانتحار "العادات والتَّقاليد المجتمعية الرجعية، تسببت بعقد نفسية للنساء، لذا وضعنا قانون يحد من تحكمها بالمرأة، كزواج القاصرات، والبدل، والإجبار، والدَّية الذي ينتشر بين العشائر، وكذلك تعدد الزَّوجات".
ولعل جميع تلك الأساليب المجحفة بحق المرأة تشكل سبباً لرغبتها بالخلاص بأي طريقة كانت، إضافة لإهمال الزوج لزوجته أو التَّقليل من قيمتها، وحرمانها من حقها في العمل، كما تقول. 
ولبناء امرأة سليمة نفسياً لا بد من العمل على ذلك، والحديث لبهية مراد "إعطاء المرأة حرية العيش بكرامة وباقتصادها المستقل، وتوعيتها إلى جانب الرَّجل عبر الجَّلسات والنَّقاشات، وتربية الأبناء بشكل سليم، ومنح فرص عمل، جميع ذلك يقلل من الضغوط النفسية على المرأة وبالتالي تمسكها بالحياة".
ومنذ انطلاق الثورة في شمال وشرق سوريا تم افتتاح دار المرأة بمدينة قامشلو عام 2011 في مسعىً لتحرير المرأة ودعمها لمواجهة الممارسات المجتمعية المسيئة لها، وتلجأ إليه النساء حال تعرضهنَّ للعنف.
ويتم التَّنسيق بين دور المرأة والمُنظمات النَّسويّة "نتعاون مع منظمات المجتمع المدني، ومنظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة، لمتابعة حالات الانتحار والقضايا المتعلقة بها، وندعو المنظمات الأخرى للقيام بدورها في هذا المجال عبر ورشات العمل والنَّشاطات".
وتؤكد بهية مراد على دور الإعلام التَّوعوي لمنع حدوث هذه الظَّواهر، باعتباره السَّلطة الرَّابعة وهو اليوم الأكثر تأثيراً بالعقول.
يذكر أن حالات الانتحار في شمال وشرق سوريا لعام 2020 بلغت 6 حالات بمدينة قامشلو، ومحاولتي انتحار. وفي مدينة الحسكة بلغت 11 حالة انتحار، إضافة لأربع محاولات انتحار. أما في مدينة كوباني فبلغت 8 حالات انتحار و6 محاولات انتحار. بحسب دار المرأة في قامشلو