رُغم أنهم أقروا بقتله منذ سبع أعوام لا تزال تراقب الطَّريق منتظرة عودته

سيبيلييا الإبراهيم
كوباني ـ تترقبُ خديجة بكو خبراً يؤكد مصير ابنها الذي اعتقله داعش منذ سبع أعوام، ورغم أنهم أقروا بقتله، إلا أنها لم تُصدق، ولا تزال تراقب الطَّريق علهُ يعود يوماً ما أو يصلها خبرٌ عنه.  
رحل داعش مخلفاً وراءه حسرات وآلام لا تعد ولا تحصى، فمن انتهاك للحقوق إلى جرائم القتل والاعتقال والتعذيب بحق المدنيين في شمال وشرق سوريا، ما يزال مصير العديد ممن وقعوا في قبضة هذا التَّنظيم الإرهابي مجهولاً متأرجحاً بين الحقيقة والكذب.
خديجة بكو (40) عاماً، هي أم لأربعة أبناء، من قرية بوراز، ولكنها أجبرت كما الكثيرين للعيش في قرية النَّعيمة بريف حلب الشَّرقي، بعد الغمر إثر بناء سد تشرين على نهر الفرات في عام 2000، ونزحوا منها إلى الرَّقة في شمال وشرق سوريا بعد اشتداد المعارك بين قوات النَّظام وداعش.  
عندما سيطر داعش على المنطقة شن مرتزقته العديد من حملات الاعتقال بحق أبناء القرى والمدن، ولم يسلم الأطفال والنَّساء، تقول خديجة بكو عن تلك الفترة "كل أسرة في مدينة منبج عانت من الويلات كالقتل، والسَّبي، والنَّهب، والسَّرقة، والخطف... وغيرها".  
واستمر الوضع على هذا المنوال حتى إعلان مجلس منبج العسكري وقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة والشعب، حملة تحرير مدينة منبج، في الأول من حزيران/يونيو 2016 لطرد مرتزقة داعش الذين سيطروا عليها في عام 2014.
وتشير خديجة بكو إلى أنهم حرموا حتى من التَّنفس بحرية بعد سيطرة داعش على العديد من المناطق إذ انتشر الخوف والهلع، وسيطر الرَّعب على الأهالي "وجوههم كانت تبث الرَّيبة، فلحاهم طويلة، وملابسهم تثير الاشمئزاز، ويحملون الأسلحة والسّكاكين لترهيبنا، جميع هذه العلامات توحي بأنهم متطرفون وإرهابيون، لا يمتون للدين بصلة".
وكان المرتزقة في كل فترة يخرجون بحملات اعتقال لشبان ورجال قرية النَّعيمة وهي القرية الكردية الوحيدة من بين 150 قرية سكانها عرب، "كانوا يتجولون طوال اليوم بسياراتهم ضمن القرية، وأخذوا الأسلحة الخاصة".
وتصف خديجة بكو أكبر حملة اعتقال تعرض لها أبناء القرية "في السَّادسة من صباح الأربعاء 11 كانون الثّاني/يناير 2017، كُنا نتناول وجبة الإفطار، وفجأة حاصروا القرية من جميع الجَّهات، وبدأوا بمداهمة المنازل، وكان من بين المعتقلين زوجي". 
وتكمل "طلبتُ منهم أن يبرروا لي سبب ما يحدث، لكنهم هاجموني وطلبوا مني الجّلوس في الغرفة"، وكاد ابنها ذو الـ 13 عاماً أن يُؤخذ هو الآخر، لكن إغمائها دفعهم لتركه.   
ولم يكتفوا عند هذا الحد، والحديث لخديجة بكو "أخرجونا إلى شمال غربي القرية، وبدأت الإشاعات تثير الخوف في صدورنا، فمنها ما كان يقول إن مصيرنا سيكون كمصير الإيزيديات اللواتي تم أسرهنَّ وسبيهنَّ إضافة إلى بيعهنَّ في أسواق النخاسة بعد الهجوم على شنكال عام 2014". وتضيف "كان من المحتمل أن نؤخذ كأسيرات، لولا تحليق الطَّائرات، فقد خشوا أن يتعرضوا للقصف، فأعادونا لمنازلنا، التي لم يبقى فيها غير الأطفال والنَّساء".
وحول الصّراع الدَّاخلي الذي كنَّ يعشنه "كنا نخشى أن ننام، فننهض على أسر من بقي منا، إضافة لخوفنا على المعتقلين تحت قصف الطَّيران، على نقطة تمركز داعش في بلدة مسكنة، ولم أسمح لأبني في تلك الفترة بالخروج من المنزل".
بعد 40 يوماً أفرج المرتزقة عن زوجها مع عدد من المعتقلين "تعرض زوجي للتعذيب فقط لأنه كردي، ولم أكن أتوقع أن يفرجوا عنه، فهم يقتلون من يعتقلونه، خشيتُ أن يكون مصيرهُ كولدي نادر الذي اعتقل". 
وفي شهر أيلول/سبتمبر 2015، اعتقل المرتزقة ابنها نادر بكو الذي كان يبلغ 16 عاماً، والحديث لوالدته "لم أترك مكاناً إلا وسألت عنه فيه، وكنت أتلقى ردود متضاربة عن مصيره، وأخبروني أنهم قتلوه، وحتى اليوم مصيره مجهول".
وتضيف "ابني لم يفعل شيئاً، كان دائم العمل في الزَّراعة ورعي الماشية، وأمسكوا به عندما كان ذاهباً إلى القرية لإجراء اتصال مع شقيقي الأكبر المقيم خارج البلاد، وفي الطريق اعتقلوه، وعند تلقينا خبر وفاته الغير مؤكد، مرض زوجي وبقي طريح الفراش، ولم يكن ألمي أقل شدة". 
بعد إخبارهم بموته طلبوا منهم أخذ أغراضه "ماذا سأفعل بأشيائه بعد أن فقدته هو! لم أحضر شيئاً، ولكن عيناي تلقائياً لا تزالان تراقبان الطّريق، وكلما قرع باب منزلي أُسرع لأرى الطَّارق علهُ يكن هو". 
الحملة التي أطلقتها القوات العسكرية في شمال وشرق سوريا استمرت لمدة 73 يوماً، نجحت في تحرير المدينة في 12 آب/أغسطس 2016 لكن مصير عدد ليس بقليل من أهالي مدينة منبج ما يزال مجهولاً. كما عثر على 27 مقبرة جماعية في منبج بعد طرد المرتزقة. 
خديجة بكو التي فقدت ابنها منذ سبع سنوات لا تمتلك سوى صورتين له تطيل النّظر إليهما. فما دامت لم ترى جثته فهي ما زالت تأمل عودته. 
وتطلب من الجهات المعنية والقوى الدَّاعمة لحقوق الإنسان معرفة مصير ابنها "نريد أن نعرف مصير مختطفينا الذين أخذهم داعش، فإن لم يعودوا سنقطع الأمل، وإن كانوا أحياء فنحن ما نزال نجلس على الأرصفة ننتظر رجوعهم يوماً ما".