زواج الفصلية في العراق يعود للواجهة بعد انتشار فيديو لطفلة تقدم كدّية

 

غفران الراضي
 بغداد ـ زواج الفصلية أو الدّية هو عرف عشائري منتشر في معظم البلدان تفرضه العشيرة للإصلاح بين عشيرتين متحاربتين، ومن خلاله يتم تقديم فتاة لحل الخلاف، وتهدئة النفوس.
العراق مجتمع عشائري تنتشر فيه العديد من الممارسات التي تستهدف المرأة كزواج الدّية، والقاصرات، وجرائم الشرف، ورغم نشاط الحركة النسوية في العراق إلا أن هذه الممارسات ما تزال راسخة في المجتمع العراقي. 
ويؤثر أي خلاف عشائري على حياة النساء والأطفال ليكون الثأر سيد الموقف وهروب العوائل الآمنة من العشيرتين خوفاً من الاستهداف حلاً. ومع ضعف القانون في العراق وعدم قدرته على ردع هذه الممارسات تبقى السطوة والقرار الأخير لحكم العشيرة. 
ما حدث هذه المرة هو القشة التي قصمت ظهر البعير واعطت نموذج ضد الانسانية مع عودة عرف الفصلية للواجهة، وذلك عندما أقدم شيخ عشيرة على تقديم طفلة تبلغ من العمر ست سنوات كفصلية وتعويض للعشيرة الأخرى، وبعد تصوير الحدث وانتشاره على مواقع التواصل شكلت الحادث صدمة للمجتمع وارتفعت أصوات الاستنكار.
فمنذ عدة أيام حدث اقتتال عشائري فكان الحل بالنسبة لهم تقديم الطفلة كتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم، وتم تصوير الحادثة من قبل أحد الحاضرين.
وفي حديث لوكالتنا عبرت عضو مفوضية حقوق الإنسان في العراق فاتن الحلفي عن أسفها لهذا التصرف الذي لا يمت للإنسانية بصلة، وعن طريقة تصحيح أحداث العنف بين العشيرتين بالعودة لنقطة الصفر بأعراف جاهلية.
وأضافت فيما يخص المؤتمر الإنساني الذي عقد سابقاً بمشاركة وجهاء العشائر العراقية "كنا نظن أن هذا العهد انتهى، عهد إهانة وتقليل شأن المرأة والتعامل معها كسلعة أو كجزء من ممتلكات الأهل أو العشيرة، لكن للأسف عدنا إلى الصفر، وأصبنا بخيبة أمل بعد كل الوعود والاتفاقات التي كنا قد عقدناها مع وجهاء العشائر؛ للقضاء على هذه الظاهرة، في مؤتمر حاولنا من خلاله وضع صورة حل وكنا نجحنا في ذلك وقتها".  
وتختتم فاتن الحلفي بالقول "لن نقف مكتوفي الأيدي، ولن نسمح بهذا الاتجار الرخيص بالإنسان طفلاً كان أو امرأة وسنجعل القانون هو الحكم مع هذه الممارسات". 
بينما تجد القانونية سحر الهاشمي أن حقوق المرأة في الوسط العشائري القبلي منتهكة بسبب النزعة الذكورية المتأصلة بهم. وتضيف "المرأة في عرف الفصلية، ضحية اجتماعية لأخطاء الآخرين، ولا تتمتع بأي حقوق زوجية، وظاهرة الفصلية هي صورة من صور العبودية واستهتار ذكوري بالسلطة الاجتماعية الممنوحة طبقاً للواقع الاجتماعي القبلي". 
وبما يخص المواد القانونية المتعلقة بهذه السلوكيات تقول سحر الهاشمي "هناك مواد قانونية تقف ضد الأعراف السلبية، فقد أعتبر الزواج بالإكراه باطلاً حيث نصت المادة التاسعة من قانون الأحوال الشخصية بما يتضمن اعتبار الزواج بالإكراه باطلاً إن أجبرت الفتاة على الزواج"، وتضيف "إلا أن كلمة ما لم يتم الدخول (أي حدوث الزواج فعلاً) يفند هذه المادة القانونية وهنا تناقض لصالح الأعراف والتقاليد".  
بينما ينص القانون على أن عقوبة هذا الجرم الحبس ثلاث سنوات أو بالغرامة أو بهاتين العقوبتين إذا كان الفاعل من أقارب الفتاة بالدرجة الأولى، وهنا إعطاء فسحة للأهل وحصانة بموجب القانون الذي لا يجرم الفصلية وانما تنضوي كنوع من زواج الإكراه بعقوبة لا تساوي حجم الجرم. 
وتضيف سحر الهاشمي "عقاب زواج الفصلية يعود لتقدير القضاء إذا تمكن من تحديد الإكراه في الزواج من عدمه ويعتمد ذلك على مدى وضوح الإكراه أمام القاضي المختص بعقد القران حينها، أما إذا لم يثبت ذلك ولم يبادر أحد الطرفين بإبلاغ الجهات المختصّة عن الإكراه فلا يمكن إيقاع العقوبة، ولا تجريم صاحبها وهذا غالباً ما يحدث في معظم زيجات الفصلية".  
وتصف سحر الهاشمي زواج الفصلية بأنه نوع من أنواع الإتجار بالبشر "لمعالجة هذه الظاهرة يجب على الحكومة العراقية اعتبار زواج الفصلية جريمة يحاسب عليها القانون، كما على البرلمان العراقي الإسراع بتشريع قانون العنف الأسري، فضلاً عن تكثيف حملات التوعية والتثقيف، من قبل منظمات المجتمع المدني، وتركيز وسائل الإعلام على عرض قصص النساء، اللواتي أقدمنَّ على الانتحار بسبب هذا النوع من الزواج".
وسجل العام 2017 انتحار عشرات الفتيات اللواتي أجبرنَّ على الزواج بالإكراه ومنها زواج الفصيلة أو النهوة، وقالت مفوضية حقوق الإنسان أن البلاد شهدت في الأشهر الأولى من العام الحالي 2021 انتحار 27 امرأة جراء الضغوط التي يواجهنها.  
من جهة أخرى كان لناشطات حقوق المرأة والطفل في العراق حملة ضد عودة الممارسات التي تتعامل بدونية مع المرأة والطفل على حد سواء. 
توضح الناشطة تونس الأحمد لوكالتنا مدى تناقض الفكر العشائري ونظرته القاصرة اتجاه المرأة بقولها "التناقضات في العرف العشائري تبين مدى جهل من وضع هذه الأعراف، فكيف يرفض رجلاً وعشيرته أن يهان فيطلب مثلاً فصل عشائري، بينما يقدم ابنته أو طفلته كسبية للطرف الآخر هل هذا التصرف من شيم الرجال؟". 
وتؤكد على أن السبب يعود إلى ضعف القانون وعدم تجريمه لهذه الأفعال كون حكم العشيرة هو الغالب، فكل رجل ملتزم بتطبيق حكم عشيرته ولو كان قاضياً "لم نعد نطالب بتصحيح فعل أو ممارسة أو ندعو ونتوسل لإغاثة هذه الطفلة فقط، بل نريد أن يكون هناك قانون واضح وصريح يتعلق بتجريم عُرف الفصلية، ومن يدعو وينفذ هذا العُرف، وكذلك المحرض والمستغل للمرأة والطفل". 
وأبدت تونس الأحمد استغرابها من عدم تفاعل منظمات دولية حقوقية مع ما يحصل من ممارسات ضد المرأة في العراق، مؤكدةً أن المرأة العراقية تحتاج لدعم دولي إنساني لتغيير القوانين التي تنتهك إنسانيتها. 
ومن الجدير ذكره أنه إلى الآن لا توجد معلومات عن مصير الطفلة، إلا أن منظمات حقوقية وجهات رسمية من مفوضية حقوق الإنسان وصلت إلى وجهاء العشائر هناك وحصلت على تطمينات بوجود الطفلة مع والديها، بالمقابل لا توجد أي تحركات حكومية واضحة ضد هذه الممارسات.